الحمد لله، يجب السجود على الأعضاء السبعة ويدلُّ لذلك حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أمر أن يسجد على سبعةِ أعظمٍ، ولا يُكفَّ شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين» أخرجاه في الصحيحين.
وفي صحيح مسلم: «الجبهة والأنف». فيجب على الإنسان أن يسجد على هذه الأعضاء السبعة.
وهي "رجليه ثم ركبتيه ثم يديه" أي: أنه إذا سجد يبدأ بالركبتين قبل اليدين، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد؛ لحديث وائل بن حجرٍ -رضي الله عنه-: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحهما. وقال البخاري والترمذي وأبو داود: "تفرد به شريك"، والحديث له متابعات يتقوَّى بها تدلُّ على أن له أصلًا، وله شاهد عن عاصم الأحول عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه» رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي. وصحَّحه الحاكم على شرطهما، لكن قال البيهقي: "تفرَّد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول".
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن سعد بن أبي وقاصٍ -رضي الله عنه-: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين». وفي إسناده إسماعيل بن يحيى بن سلمة، وهو متروكٌ.
وورد عن عمر عنـد عبد الرزاق بإسنـادٍ صحيـحٍ. وابن مسعـودٍ عند الطحاوي. وابن عمر، كما في مصنف ابن أبي شيبة.
وعند مالك، وابن حزم، والأوزاعي: السُّنَّة تقديمُ اليدين على الركبتين؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وأعلَّه البخاري والترمذي والدارقطني. قال الترمذي: "غريبٌ لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه"، فالحديث تفرَّد به الدراوردي، وفيه أيضًا محمد بن عبد الله العلوي، قال البخاري في التاريخ الكبير: "محمد بن عبد الله بن حسن لا يُتابع عليه".
ولحديث أبي هريرة شاهد من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا، صحَّحه ابن خزيمة، والحاكم، وذكره البخاري مُعلَّقًا موقوفًا على ابن عمر -رضي الله عنهما-. وقال ابن حجر: "وحديث أبي هريرة أقوى من حديث وائل بن حجرٍ".
وأجاب ابن القيم عن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: بأن فيه قلبًا من الراوي، وأصله: «وليضع ركبتيه قبل يديه»، قال: "ويدلُّ عليه: أوَّلُ الحديث، وهو قوله: «فلا يبرك كما يبرك البعير»، فإن المعروف من بروك البعير تقديم اليدين على الرجلين، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمرُ بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة، فنهى عن التفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراشٍ كافتراش السَّبُع".
والأصل في حركات الصلاة أنها تكون على الطبيعة، وحال الطبيعة أن تنزل الأسافل قبل الأعالي، وعلى هذا: يُقدِّمُ ركبتيه قبل يديه إلا إذا كان هناك حاجة، كأن يكون مريضًا أو كبيرًا أو ثقيلًا ونحو ذلك، فإنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه، وهذا القول هو الأقرب؛ لأنك إذا لاحظت البعير إذا أراد أن يبرك تجد أن يديه تنزل، ثم بعد ذلك تنزل رجلاه؛ لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه يكون مشابهًا للبعير، ولا يتلاءم صدر الحديث مع عجز الحديث.
وإذا قلنا: قَدِّمْ يديك قبل ركبتيك، فإنه في هذه الحال يكون مشابهًا للبعير تمامًا، بخلاف مَنْ قَدَّمَ ركبتيه قبل يديه فإنه لا يشابهه.
وعن الإمام مالك: أنه مخيّرٌ؛ لاختلاف الآثار.
"ثم جبهته مع أنفه" أي: بعد أن يضع ركبتيه ثم يديه، يضع جبهته ثم أنفه.
السجود له كيفيتان:
الأولى: كيفيةٌ مجزئةٌ.
الثانية: كيفيةٌ كاملةٌ.
الكيفية المجزئة: أن يسجد على الأعضاء السبعة: اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة والأنف، وهذا هو المشهور من المذهب.
والأعضاء التي يجب السجود عليها تنقسم إلى أقسامٍ:
القسم الأول: اليدان والركبتان والقدمان.
فالمذهب: وجوب السجود على هذه الأعضاء؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- السابق، وهو الراجح.
وعند الحنفية والمالكية والشافعية: لا يجب؛ لقوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}[الفتح:29]، فإفرادها بالذِّكْر دليلٌ على مخالفتها في الحكم لغيرها.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ» رواه مسلمٌ من حديث عليٍّ -رضي الله عنه-. فدلَّ على أن السجود على الوجه.
وأُجيب: بأن السجود على الوجه لا ينفي ما عداه.
جمهور العلماء على وجوب السجود على الجبهة، وقال أبو حنيفة: الفرض: الجبهة.
القسم الثاني: أو الأنف من غير تعيين، فإن اقتصر على الأنف وحده جاز مع الكراهة، وإن اقتصر على الجبهة فقولان: الكراهة وعدمها؛ إذ يكفي للسجود بعض الوجه.
القسم الثالث: الأنف: فالمذهب وهو قول عند المالكية على المختار كما ذكر القرطبي: وجوب السجود عليه؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ» متفقٌ عليه.
ولحديث أبي حميد -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض» رواه أبو داود والترمذي، وقال: "حديث حسنٌ صحيح".
وعند الحنفية وقول عند المالكية ــ رجَّحه بعضهم ــ والشافعية: أنه يُسنُّ السجود على الأنف؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ»، وطرف الأنف ليس بعظمٍ.
ونوقش: بأن أصلَ الأنف عظمٌ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أشار إليه مما يدلُّ على وجوب السجود عليه.
والراجح: وجوب السجود عليه؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-، والإشارة إلى الأنف تدلُّ على عدم الاكتفاء بالجبهة.