الحمد لله، بعد النظر في كلام العلماء في الجنس المخرَج في زكاة الفطر نجد أنهم سلكوا في ذلك مسلكين:
المسلك الأول: مسلك العدِّ، بمعنى: أنهم عددوا أجناسًا يجب إخراجها في زكاة الفطر، ولا يجزئ غيرها ولو كان قوتًا، وهو قول أكثر الفقهاء.
فهذا مذهب الحنفيَّة، فالواجب عندهم: البر، أو دقيقُه، أو سَوِيقُهُ، أو الزبيب، أو التمر، أو الشعير.
ويجزئ غيرها باعتبار القيمة ولو غير قوت كالعُروض من الأواني والملابس، وكبقية الحبوب والثمار بناءً على تجويزهم إخراج القيمة في زكاة الفطر.
وهو مذهب المالكيَّة: فالواجب عندهم تسعة أجناسٍ: القمح، أو الشعير، أو السُّلْتِ (ضربٌ من الشعير ليس له قشر يشبه الحنطة)، أو الذرة، أو الدخن، أو الأرز، أو التمر، أو الزبيب، أو الأقِط، فيُخرج من أغلب قوت أهل المحل من هذه التسعة.
وعند ابن حبيب: زيادة العدس على التسعة المذكورة.
وقيل: بزيادة التين أو السويق أو اللحم أو اللبن أو القطنية إذا اقتِيت.
وهو مذهب الشافعيَّة: فمن الثمار: التمر والعنب، ومن الحبوب: الحنطة والشعير، والأرز، والعدس، والحِمّص، والباقِلَاء، والدخن، والذرة، واللوبياء والماش، والهرطمان وهو الجلبان. فيخرج من أغلب قوت أهل المحل من هذه الأجناس.
وكذا الأقط في الأظهر، وفي معنى الأقـط لبن وجبن لم ينزع زبدهما فيجزئان، وإجزاء كل من الثلاثة لمن هو قوته. وتقدم المذهب.
وبه قال ابن حزمٍ: فالواجب عنده من جنسين هما التمر والشعير فقط.
المسلك الثاني: مسلك الحدِّ، وهو اعتبار القوت في زكاة الفطر، ومنهم من عبر بغلبة القوت، وبه قال شيخ الإسلام، وابن القيم، وكثيرٌ من المعاصرين.
قال ابن القيم: "الأنواع الخمسة كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأمّا أهل بلدٍ أو محلةٍ قُوْتهم غير ذلك فإنما عليهم صاعٌ من قُوْتهم، فإن كان قوتهم غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سدُّ خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم، وعلى هذا: يصح إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز أو الطعام فإنه وإن كان أنفع للمساكين؛ لقلة المؤنة والكلفة فيه، فقد يكون الحَب أنفع لطول بقائه. ثم قال: إلا أن يكون أهل بلد عادتهم اتخاذ الأطعمة يوم العيد فيسوغ القول به".
والذي يظهر: أن المعتبر كون المخرَج من طعام الآدميين سواء كان قُوتًا غالبًا على سبيل الدوام أو غير غالبٍ، بل يُقتات ويُطعم في بعض الأحيان في تلك المحلة.
فالضابط لما يجزئ إخراجه في زكاة الفطر: كل طعام للآدميين في تلك المحلة يُطعم ويُقتات صباحًا، أو مساءً، ولو أحيانًا؛ فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء، كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:89]، لما يلي:
أولًا: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فرضها طعامًا دون تقييد بالقوت الغالب، لكن الوصف الجامع لما عدَّده النَّبي -صلى الله عليه وسلم والله أعلم- كونها طعامًا يقتات.
ثانيًا: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عدد بعض الأطعمة وسكت عن أطعمةٍ أخرى هي غالبة في زمن النبوة كالحليب واللبن واللحم وغير ذلك، وهذه مما يقتات ويطعم في المدينة، ولو أراد النَّبي -صلى الله عليه وسلم- القوت الغالب لنص على هذه الأشياء.
ثالثًا: ما رواه مسلمٌ من طريق عياض، عن أبي سعيدٍ -رضي الله عنه-: «كنا نُخرج من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقِط، أو صاعًا من شعير». قال ابن حجر: "وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلَّته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة".
رابعًا: أن هذا الأصناف ليست على درجةٍ واحدةٍ، فمنها ما يكثر اقتياته ومنها ما يقل اقتياته.
خامسًا: أن البر كان قليلًا في عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكثر إلا في عهد الصحابة -رضي الله عنهم-، والإجماع قائمٌ على إجزائه.
سادسًا: أن الزبيب والأقط كانا يُطْعمان أحيانًا في عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا في المشهور من رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- الاقتصار على التمر والشعير؛ لكونهما الأغلب في الاقتيات.
أما إذا كان الطعام لا يُقتات في هذا البلد فالذي يظهر أنه لا يجوز الإخراج منه.
وعلى هذا: لو كان القوت الغالب هو الأرز جاز إخراج بعض الأقوات غير الغالبة ما دام أنه يَطعمه الآدميون في ذلك المكان.
فمثلًا: لو كان القوت الغالب في بلدٍ ما هو الأرز، وأحيانًا يقتاتون بعض الأطعمة كالتمر أو الفول أو العدس أو الذرة، أو اللحم، أو الزيتون أو التين اليابس، أو الجبن ونحو ذلك، جاز الإخراج منها.
ولو كان الطعـام في عُرف البلد كتمرٍ وأرزٍ، أو فولٍ وعـدسٍ جـاز دفع أحدهما، والله أعلم.