الجمعة 24 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 27-04-2026

ما هي أوقات النهي ؟ وما الحكمة من النهي عن الصلاة فيها

الجواب
الحمد لله، قال صاحب الزاد: "أوقات النهي خمسة" الأوقات جمع وقتٍ، والمراد به الزمن، "النَّهْي" أي: التي ينهى عن الصلاة فيها.
وأوقات النهي تحتها مباحث: 
المبحث الأول: أن الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، هي: إجمام البدن بتركه التَّطوُّع في هذه الأوقات، وترغيبُه وتشويقُه إلى الصلاة التي هي صلة بين العبد وربِّه بعد هذه الأوقات؛ لأن الإنسان إذا مُنِعَ من الشيء فإنه يبقى في رغبةٍ له، وكذلك إذا تركه لفترةٍ فإنه يشتاق إليه.
المبحث الثاني: أوقات النهي عددها خمسة أوقاتٍ.
فالوقت الأول: "من ‌طلوع ‌الفجر ‌الثاني ‌إلى ‌طلوع ‌الشمس" وهذا هو المذهب ومذهب الحنفيَّة -رحمهم الله- عدا ركعتي الفجر.
الرأي الثـاني: روايةٌ عن أحمد وعن الإمـام مالك -رحمه الله-، وهو مذهب الشافعيَّة وبه قال ابن حزمٍ: أنه من بعد صلاة الصبح.
الرأي الثالث: المشهور عند المالكيَّة أنه من طلوع الفجر إلا أنهم يستثنون ركعتي الفجر، والشفعَ مع الوِتر بشروط: منها أن تكون عادتُه تأخيرَه، وأن ينام عنه، وأن يأمن فوت الجماعة والإسفار، فله فِعْلُه قبل صلاة الصبح.
واستدلَّ مَنْ علَّق النهي بطلوع الفجر: 
أولًا: حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لِيُـبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ، لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ» رواه أحمد وأبو داود والترمذيّ وابن ماجه. وقال أحمد شاكر في تعليقه على «المحلى»: "إسناده ثقاتٌ". 
ثانيًا: حديث حفصة -رضي الله عنها- قالت: «كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين» متفقٌ عليه.
واستدلَّ مَنْ علَّق النهي بصلاة الصبح: 
أولًا: بحديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ» متفقٌ عليه.
ثانيًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-، وفيه «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تَشرُقَ الشمس» متفقٌ عليه.
ثالثًا: حديث عمرو بن عَبَسةَ مرفوعًا، وفيه: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ» رواه مسلمٌ.
واستدلَّ المالكيَّة: بما ورد من الأدلة على امتداد وقت الوتر إلى الفراغ من صلاة الصبح.
والأقرب: أن النهي يتعلق بالفراغ من صلاة الصبح لقوة أدلتهم، وقياسًا على آخر النهار، لكن لا يشرع التطوع بعد الفجر إلا ركعتي الفجر.
قال صاحب الزاد: "ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح" هذا الوقت الثاني، وقِيدَ رمح أي: قَدْرَ رُمح، والرُّمح طوله ستة أذرعٍ بذراع اليد، فمن حين تطلع الشمس تنتظر حتى ترتفع قَدْرَ رُمح بمرأى العين، فإذا رأيت أنها ارتفعت في الأفق قَدْرَ رُمحٍ فإنك تصلي، ويكون وقت النهي قد ذهب.
ودليل ذلك: ما ورد من حديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ».
وأيضًا: في حديث عمرو بن عَبَسةَ -رضي الله عنه-.
وقَدْرُهُ الآن بالدقائق: ما يقربُ من عشر أو ثنتي عشرة دقيقةً بعد طلوع الشمس، فإذا مضى هذا الوقت بعد طلوع الشمس فاعلم أن وقت النهي قد زال، ودخل وقت النافلة.
قال صاحب الزاد: "وعند قيامها حتى تزول" هذا هو الوقت الثالث من أوقات النهي.
ودليل ذلك: حديث عقبة بن عامرٍ -رضي الله عنه- قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب»، فهذا دليلٌ على أن وقت الزوال من أوقات النهي، فالشمس إذا طلعت من جهة المشرق يكون لكُلِّ شاخصٍ مرتفعٍ ظلٌّ إلى جهة المغرب، فلا يزال هذا الظِّلُّ ينقص حتى تتوسطَ الشمس في كَبِدِ السماء، أي: أن الشمس تسير من المشرق إلى المغرب، والظل لا يزال ينقص شيئًا فشيئًا، فإذا توسطت الشمس في كَبِدِ السماء ينتهي نقصان الظل من جهة المغرب، فيكون هذا الوقت وقتَ نهيٍ، إذا انتهى نقصان هذا الظل يكون هناك تحت هذا الشاخص ظلٌّ يسيرٌ، هذا يسميه العلماء: فَيْءَ الزوال، فتضع على هذا الظل اليسير علامةً، فإذا زاد أدنى زيادةٍ فاعرف أن الشمس تحركت إلى جهة المغرب، وأن وقت النهي قد خرج، ودخل وقت صلاة الظهر.
وبحديث عمرو بن عبسة، وفيه: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ».
وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ومذهبِ أبي حنيفة: أن وقت الاستواء وقت نهيٍ.
الرأي الثاني: أن وقت الاستواء ليس وقتًا من أوقات النهي، وبه قال الإمام مالكٌ -رحمه الله-؛ لأنه عَملُ أهل المدينة، فقد ورد أنهم يصلون نصف النهار.
ونوقش: بأن عَملَ أهل المدينة مختلفٌ في الاحتجاج به.
الرأي الثالث: أن وقت الاستواء وقت نهيٍ إلا في يوم الجمعة، وبه قال الشافعي -رحمه الله-، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-؛ لحديث سلمان -رضي الله عنه- مرفوعًا: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» رواه البخاريُّ. فظاهره: الصلاة وقت الاستواء، إذ الإمام لا يخرج إلا بعد الزوال.
ونوقش: بأنه يصلي إلى أن يعلمَ وقت النهي، فإن شكَّ فله الصلاة، إذ الترغيب في الصلاة إلى خروج الإمام يُخصُّ منه وقت النهي.
وبحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة» أخرجه البيهقي. وضعفه في «التلخيص».
وعن ثعلبة بن أبي مالك القرظي «أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة، حتى يخرج عمر بن الخطاب، فإذا خرج عمر بن الخطاب، وجلس على المنبر، وأذَّن المؤذنون، جلسنا نتحدث، حتى إذا سكت المؤذنون، وقام عمرُ يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد» رواه مالكٌ في «الموطأ».
لكن الأقرب والأحوط ما ذهب إليه الحنابلة والحنفيَّة؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- علَّل فقال: «فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ». وهذا ليس فيه فرق بين يوم الجمعة وبين غيره من الأيام، وعلى هذا نقول: للإنسان أن يصلِّيَ ما بدا له حتى إذا ظن أن وقت الاستواء قد حضر فإنه يتوقف عن الصلاة، وهو أحوط.
قال صاحب الزاد: "ومن صلاة العصر حتى غروبها" هذا هو الوقت الرابع من أوقات النهي، وهو من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ووقت النهي هنا مُقيَّد بالصلاة ما بعد صلاة العصر، وهذا عند جمهور أهل العلم.
وعند ابن حزمٍ: وقت للنهي عدا ركعتين.
وقال جماعةٌ من السلف منهم عطاء وطاوس وعمرو بن دينار: بأنه ليس وقتًا للنهي. 
واستدلَّ الجمهور: بحديث أبي سعيدٍ وحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» متفقٌ عليه. وبحديث عمرو بن عَبَسةَ مرفوعًا وفيه: «ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ» رواه مسلمٌ.
واستدلَّ ابن حزمٍ بأدلة، منها: حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «صلاتان ما تركهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيتي قطُّ سِرًّا ولا علانيةً: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر» رواه مسلمٌ. وبحديث أن أبا سلمة سأل عائشة -رضي الله عنها- عن السجدتين اللتين كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصليهما بعد العصر، فقالت: «كان يصليهما قبل العصر، ثُمَّ إنه شُغِلَ عنهما أو نسيهما، فصلَّاهما بعد العصر، ثُمَّ أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها، تعني داوم عليها» رواه مسلمٌ. وبحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركعتين بعد العصر عندي قطُّ» رواه مسلمٌ.
ونوقش: بأن صلاة ركعتين بعد العصر من خصوصياته؛ لحديث أُمِّ سلمةَ -رضي الله عنها- قالت: «صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ دخل بيتي فصلى ركعتين... » وفيه: «قلت: يا رسـول الله، أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قـال: لَا» رواه أحمد. وجـوَّده الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على «الفتح».
ولحديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال» رواه أبو داود. وقال في التلخيص: "وينظر في عنعنة ابن إسحاق".
وبحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «إنما صلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلَّاهما بعد العصر، ثُمَّ لم يَعُدْ لهما». أخرجه الترمذيّ وحسَّنه. وقال الحافظ في «الفتح»: "من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه".
ولحـديث أُمِّ سلمة -رضي الله عنها-: «فلم أرَهُ يصليهمـا قبـلُ ولا بعـدُ» رواه أحمد والنسائي. وصحَّحه أحمد شاكر في حاشيته على الترمذيّ.
ودليل القول الثالث: حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَحَرَّوْا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا» متفقٌ عليه. فالنهي بعد العصر إنما قُصِدَ به تركُ الصلاة عند الغروب، فيكون النهي عند الغروب فقط.
ونوقش: بأن التنصيص على بعض أفراد العام غيرُ صالح للتخصيص.
ولحديث عليٍّ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «لَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ إِلا أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ مُرْتَفِعَةً» رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وحسَّنه النووي في «المجموع».
ونوقش: بشذوذه؛ لمخالفته أحاديث النهي الثابتة في الصحيحين.
وعلى هذا: فالراجح ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.
قال صاحب الزاد: " وإذا شرعت فيه حتى تتم" هذا هو الوقت الخامس والأخير من أوقات النهي: إذا شرعت الشمسُ في الغروب حتى يتم الغروب.
فالمذهب، ومذهب المالكيَّة: أن وقت النهي يبدأ إذا شرعت في الغروب؛ لحديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «إِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ» متفقٌ عليه. أي: إذا بدأ طرف الشمس بالمغيب فإن الصلاة تؤخَّرُ حتى تغيبَ.
وعند الحنفيَّة، والشافعيَّة: يبدأ عند الاصفرار؛ لحديث عقبة بن عامرٍ -رضي الله عنه-: «وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب». أي: تميل.
وقوله: "حتى تتم" أي: يكتمل مغيب قرص الشمس، وهذا مذهب الشافعيَّة والحنابلة؛ لحديث ابن عمر وأبي سعيدٍ وابن عباسٍ وعمرو بن عبسة -رضي الله عنهم- حيث قَيَّدَتِ النهيَ إلى غروب الشمس؛ ولِمَا ورد من شرعية التنفل قبل صلاة المغرب، وهذا أقرب.
وعند الحنفيَّة والمالكيَّة: يَستمِرُّ النهي إلى إقامة صلاة المغرب؛ لحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا: «إِنَّ عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا خَلَا الْمَغْرِبَ» رواه البيهقي، وقال البيهقي: "رواه حيان بن عبيد الله وأخطأ في سنده، وأتى بزيادة لم يُتابع عليها". 

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟