ج: الحمد لله، الجلوس في هذا التَّشهُّد واجبٌ على المسبوق باتفاق الفقهاء.
الحمد لله، الركن الأول: القيام وقد اتفق العلماء على أنه ركنٌ إذا كان في الفرض، وكان المصلي قادرًا عليه؛ لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}[البقرة:238].
ويدلُّ لذلك: قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث المسيء صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ».
أمَّا بالنسبة للنفل فإن القيام فيه ليس ركنًا.
ويدلُّ لذلك حديث عائشةَ -رضي الله عنها- في صحيح مسلمٍ قالت: «كان يصلي ليلًا طويلًا قاعدًا». وأيضا قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ» رواه البخاريُّ.
وقولنا: "للقادر" يُخرج غيرَ القادر، فإنه إذا كان غير قادرٍ فإنه يصلي جالسًا، ولا بأس بذلك.
ويدلُّ لذلك حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- في صحيح البخاري وغيره أنه شكا إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أن به بواسير، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». فإذا كان المريض يشقُّ عليه القيام فإنه يسقط عنه.
وحدُّ القيام الركن: ما لَمْ يَصِرْ راكعًا بحيث لو مدَّ يديه وكان معتدل الخِلْقة لا تنال يداه ركبتيه، فإن مسَّتْ يداه ركبتيه فقد خرج من حدِّ القيام إلى حدِّ الركوع، فلا تجزئه تكبيرة الإحرام، وبه قال الحنفية والحنابلة في المعتمد.
وقال الشافعية واختاره المجدُ من الحنابلة: الحدُّ الفاصل بين حدِّ القيام وحدِّ الركوع أنه متى انحنى، فكان إلى القيام أقربَ منه إلى الركوع فهو في حدِّ القيام.
ومقدار الركن من القيام: قَدْرُ تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، أي: يقوم قَدْرَ تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة في الركعة الأولى، وأمَّا في الركعة الثانية فإنه بقَدْرِ قراءة الفاتحة فقط.
الركن الثاني: التحريمة، وهذا بالاتفاق.
ويدلُّ لذلك: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصة المسيء صلاته أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ». وهذا أمر.
وأيضًا حديث عليٍّ -رضي الله عنه-: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ».
فالمذهب، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة: أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة؛ لِمَا ورد من الأدلة.
وعند الحنفيَّة: تكبيرة الإحرام شرطٌ من شروط الصلاة، لا تَصِحُّ الصلاة إلا بها للقادر عليها دون العاجز عنها؛ لحديث عليٍّ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ»، فالنَّبي -صلى الله عليه وسلم- أضاف التحريم إلى الصلاة، والمضاف غيرُ المضاف إليه؛ لأن الشيء لا يضافُ إلى نفسه.
ونوقش: بأن الإضافة تقتضي الجزئية، كقوله: رأسُ زيدٍ، وصحنُ الدار، فوجب حمله على الثاني؛ لأنها جزءٌ من الصلاة.
الركن الثالث: الفاتحة:
ويدلُّ لذلك: حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ».
فالمذهب، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة، وبه قال ابن حزمٍ: أن قراءة الفاتحة ركنٌ في كل ركعة. واستدلوا:
أولًا: بحديث أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: «كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الظهر في الأُوْلَيَين بأُمِّ الكتاب وسورتين، وفي الأُخريين بأُمِّ الكتاب، ويُسمعنا الآية» متفقٌ عليه.
ثانيًا: حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» متفقٌ عليه، وفي رواية: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رواه الدارقطني، وقال: "هذا إسنادٌ صحيحٌ".
ثالثًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثلاثًا غير تمام». رواه مسلمٌ. ومعنى خداج هنا: النقصان والفساد والبطلان، من قول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت ولدها وهو دم لم يَسْتَبِنْ خَلْقُهُ.
رابعًا: حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: «كنا خلف النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الفجر، فثقلت عليه القراءة... قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث عند أحمد. لكنه يَصِحُّ موقوفًا على عُبادةَ.
ويشهد له: حديث رجلٍ من الصحابة لم يُسمَّ عند أحمد، ولفظه: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ؟ ــ مرتين أو ثلاثًا ــ، قالوا: يا رسول الله، إنا لنفعل، قال: فَلَا تَفْعَلُوا، إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
خامسًا: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ»، وفيه: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا» متفقٌ عليه. وفي رواية: «ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ» رواه أحمد والبيهقي عن رفاعة بن أبي رافع. ولكنه ضعيف.
سادسًا: عن نافع "أن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- لم يكن لِيَدَعَ أن يقرأ بأُمِّ القرآن في كُلِّ ركعة من المكتوبة" رواه عبد الرزاق. وإسناده صحيحٌ.
وعند أبي حنيفة: القراءة ركنٌ، والمقدار المفروض قراءته: آيةٌ واحدةٌ ولو قصيرةً، وفي رواية عنه: أنه يُجزئ ما يُطلق عليه اسمُ القرآن ولو كان دون الآية.
وعند أبي يوسف ومحمد: آيةٌ طويلةٌ أو ثلاثُ آياتٍ قصارٍ.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء
الركن الرابع من أركان الصلاة: الركوع.
ويدلُّ لذلك: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77] الآية.
وكذلك: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- لَمَّا علَّم النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المسيءَ صلاتَه قال: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا». وأيضا فِعْلُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-.
واختلف أهل العلم في ضابط الركوع المجزئ، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- أن ضابطه: أن ينحنيَ بحيث تَصِلُ يداه إلى ركبتيه إذا كان معتدل الخِلْقَةِ، فيُخرج ذلك إذا كان غيرَ معتدل الخِلْقَة بحيث تكون يداه طويلتين أو قصيرتين.
وذكرنا أيضًا رأيًا ثانيًا في ضابط الركوع: وهو أن يكون من الركوع المعتدل أقربَ منه إلى القيام المعتدل.
الركن الخامس من أركان الصلاة: الاعتدال، وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد، وبه قال مالك والشافعي -رحمهم الله-.
الرأي الثاني: أن الاعتدال سُنَّةٌ، وبه قال أبو حنيفة، وعلى هذا: لو أنه انحطَّ من الركوع إلى السجود مباشرة جاز ذلك.
ولهذا تلحظُ بعض العمالة الذين على مذهب أبي حنيفة لا يعتدل بعد ركوعه، وإنما يرفع ثم يهوي مباشرة، ومنهم مَن يرفع أدنى رفعٍ ثم يهوي مباشرةً.
وهذا لا شكَّ أن فيه نظرًا، والأدلة المتكاثرة تفيد أن الاعتدال ركنٌ؛ لِمَا يلي:
أولًا: حديث المسيء صلاتَه، فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَـائِمًا»، وهذا في الصحيحين. وفي سـنن ابن مـاجه قال -صلى الله عليه وسلم-: «حَـتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا».
ثانيًا: حديث أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» رواه أحمد وأبو داود وغيرهم. وإسناده صحيحٌ.
ثالثًا: وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «إن الرجل ليصلي ستين سَنَة ما تُقبل له صلاة، لعلَّه يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ السجود، ويُتِمُّ السجود ولا يُتِمُّ الركوع» رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيحٌ.
رابعًا: وعن حذيفةَ -رضي الله عنه- أنه دخل المسجد، فإذا رجل يصلي، فجعل لا يُتِمُّ الركوع ولا السجود، فقال حذيفة -رضي الله عنه-: «ما صليتَ منذ أربعين سَنَة، ولو مِتَّ وهذه صلاتك مِتَّ على غير الفطرة التي فُطِر عليها محمد -صلى الله عليه وسلم-» رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد في المسند. وإسناده صحيحٌ.
واستـدلَّ أبو حنيفة -رحمه الله- بقولـه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77]، فالله تعالى أمر بالركوع فقط والسجود فقط، وإيجـابُ الاعتدال من الركوع هذا زيادةٌ على النص، والزيـادة على النَّصِّ نسخٌ، والآحـاد لا يَنسخُ المتواتر، وبناء على هذه القاعدة، فإن الحنفيَّة -رحمهم الله- تركوا كثيرًا من سُنَّة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بلا حُجَّةٍ.
والصواب في هذه المسألة: أن الاعتدال ركنٌ.
الركن السادس من أركان الصلاة: السجود على الأعضاء السبعة، وهذا بالإجماع. ويدلُّ لذلك:
أولًا: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77].
ثانيًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ...» الحديث.
والأعضاء السبعة هي: اليدان، والركبتان، والقدمان، والجبهة والأنف، والمشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- أنه لا بُدَّ من السجود على هذه الأعضاء السبعة كُلِّها.
الركن السابع: "الاعتدال عنه"، لكن يغني عنه: "الجلوس بين السجدتين".
الركن الثامن من أركان الصلاة: الجلوس بين السجدتين، والخلاف فيه كالخلاف في الاعتدال من الركوع، وهذا ما ذهب إليه صاحب الزاد، وبه قال الشافعي -رحمه الله-.
وعند الحنفيَّة: سُنَّةٌ، فإذا كنت ساجدًا فيَصِحُّ أن ترفع أدنى رفعٍ، ثم تسجد مرةً ثانيةً؛ لأن الاعتدال ليس ركنًا، ولكي تفصل بين السجدتين لا بُدَّ أن ترفع أدنى رفعٍ.
والصواب في ذلك: ما ذهب إليه صاحب الزاد، وبه قال الجمهور.
ويدلُّ لذلك: قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين في قصة المسيء صلاتَه: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا»، وفي حديث أبي مسعود -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصحَّحه الترمذي وغيرُه.
الركن التاسع من أركان الصلاة: الطمأنينة في الكل ، وهذا ما ذهب إليه صاحب الزاد، وهو قول مالكٍ والشافعي وأحمد -رحمهم الله-.
ودليلهم ظاهر، وهو حديث المسيء صلاتَه، قال -صلى الله عليه وسلم-: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثلاث مرات؛ لأنه أخلَّ بالطمأنينة، ثم علَّمَه النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». فلمَّا أخلَّ بالطمأنينة أبطلَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاةَ، ولِمَا ورد من حديث أبي مسعودٍ -رضي الله عنه-، وحديث أبي قتادة.
ومنها: حديث حذيفة -رضي الله عنه-: «أنه رأى رجلًا لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده، فلمَّا قضى صلاته دعاه، فقال له حذيفة: ما صليتَ!، ولو مِتَّ مِتَّ على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا -صلى الله عليه وسلم-» رواه البخاريُّ.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «إن الرجل ليصلي ستين سَنَة ما تُقبل له صلاةٌ، لعله يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ السجود، ويُتِمُّ السجود ولا يُتِمُّ الركوع» رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيحٌ.
وعند الحنفية: ليست بفرض، فقيل: سُنَّة، وقيل: واجب. والمشهور عند المالكية سُنَّة.
واستدلَّ مَن قـال بالسنيـة بقولـه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77]. فالله تعالى أمر بالركوع والسجود، ولم يأمر بالطمأنينة، واسمُ الركوع والسجود يقع على فِعْل ذلك دون طمأنينةٍ، يُقال: ركع الشيخ إذا انحنى، وسجدت الناقةُ إذا خفضت رأسها للرعي، وهذا يحصل بنفس الانحناء وإلصاقِ الجبهة بالأرض.
واختلف أهل العلم -رحمهم الله- في قَدْرِ الطمأنينة على رأيين:
الرأي الأول: أن قَدْرَ الطمأنينة هي السكون وإن قلَّ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-.
الرأي الثاني: أنها بِقَدْرِ الذِّكْر الواجب، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا: إذا ركع يجب عليه أن يطمئن بِقَدْرِ أن يقول: سبحان ربي العظيم، وإذا سجد عليه أن يطمئن بِقَدْرِ قول: سبحان ربي الأعلى، وإذا جلس بين السجدتين يجب أن يطمئن بِقَدْرِ قول: ربِّ اغفر لي.
الركن العاشر، والحادي عشر: التشهد الأخير وجلسته، فالتَّشهُّد ركنٌ، والجلوس له ركنٌ، وهذا مذهب الإمام أحمد والشافعي -رحمهم الله-.
الرأي الثاني: أن الجلوس فرضٌ، لكن التَّشهُّد ليس فرضًا، وبه قال أبو حنيفة ومالكٌ -رحمهما الله-.
والذين قالوا بفرضية التَّشهُّد استدلوا:
أولًا: بما ورد من حديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: «كنا نقول قبل أن يُفرض علينا التَّشهُّد: السلام على الله، السلام على جبرائيل وميكائيل...» أخرجه الدارقطني والبيهقي، وصحَّحاه. وهذا ظاهر أنه فرضٌ. وقد أُعِلَّ، قال عبد الله بن أحمد كما في العلل: قال أبي: لم يَسْمَعْ سفيانُ حديث عبد الله في التَّشهُّد.
ثانيًا: ما في الصحيحين من حديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ...». وهذا أمرٌ.
ثالثًا: روى القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي، فعلمني التَّشهُّد: «التحيات لله....، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيتَ ما عليك من الصلاة، فإذا شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد». رواه الدارقطني في السنن، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى. وإسناده صحيح.
رابعًا: عن حَمَلَةَ بن عبد الرحمن، قال: قال عمر: «لا صلاة إلا بتشهُّد» رواه ابن أبي شيبة. وحَمَلَةُ سمع من عمر.
والذين قالوا بعدم الوجوب قالوا: النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلمه المسيءَ صلاتَه، ولأن الأصل عدمُ الوجوب.
وأجيب عن هذا: على فرض أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلمه المسيءَ صلاتَه، فإن هناك أدلةً أخرى دلَّتْ على وجوب التَّشهُّد.
الركن الثاني عشر: الصلاةُ على النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في التَّشهُّد، وهذا مذهب الإمام أحمد والشافعي -رحمهما الله-؛ لِمَا يلي:
أولًا: لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56]؛ هنا أمر تعالى بالصلاة على نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
لكن لا يلزم من ذلك أن يكون واجبًا، ولهذا قال بعض العلماء: إن الواجب أن يصليَ على النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في العمر مرةً واحدةً.
ثانيًا: حديث أبي مسعودٍ -رضي الله عنه- وفيه: قالوا: يا رسول الله، أمرنا الله أن نصليَ عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» أخرجه مسلمٌ. وفي رواية: «كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟» رواه أحمد والدارقطني. وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، تفرَّد به ابن إسحاق، وهذا أمر، لكن هذا الأمر ليس أمرًا ابتدائيًّا حتى نقول: إنه واجب، وإنما أمرُ إرشادٍ وتعليمٍ، وأمرُ الإرشاد والتعليم يحتمل السُّنِّيَّة، ويحتمل الوجوب، وقد ورد في حديث سهل -رضي الله عنه- وغيرِه، وله شاهد، أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»، وفي لفظٍ: «عَلَى نَبِيِّهِ» أخرجه الدارقطني والبيهقي. لكنه لا يثبت.
وعن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «يتشهُّدُ الرجل، ثم يُصلي على النَّبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يدعو لنفسه» أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والحاكم في المستدرك. وإسناده قويٌّ، وصحَّحه الحافظ ابن حجرٍ.
وعند أحمد في رواية: أنها واجبةٌ وليست ركنًا؛ لحديث فَضالة بن عبيد قال: «سمع النَّبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يدعو في صلاته، ولم يُصلِّ على النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: عَجِلَ هَذَا، ثم دعاه فقال: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: "حسنٌ صحيحٌ".
وعند أبي حنيفة ومالكٍ: سُنَّةٌ؛ لحديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا علَّمه التَّشهُّد قال: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ». وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي، فعلمني التَّشهُّد: «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيتَ ما عليك من الصلاة، فإذا شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» وإسناده صحيح.
وابن القيِّم -رحمه الله- في كتابه «جِلاء الأفهام» أطال في تقرير إيجاب الصلاة على النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، ومال إليه.
الركن الثالث عشر من أركان الصلاة: الترتيب، وهذا الركن باتفاق الأئمة -رحمهم الله-، ويدلُّ لذلك: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الحج:77]، فبدأ بالركوع قبل السجود، وأيضًا حديث المسيء صلاتَه حيث قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «ثُمَّ ارْكَعْ... ثُمَّ اسْجُدْ...». و«ثم» هذه تقتضي الترتيب، وهذا أمرٌ، وقد سبق أن أشرنا إلى قاعدة وهي: أن كُلَّ عبادة مركَّبة من أجزاء لكي تكون وفق السُّنَّة لا بُدَّ فيها من أمرين: الترتيب، والموالاة.
الركن الرابع عشر من أركان الصلاة: التسليم، وهذا هو المذهب.
ويدلُّ لذلك:
أولًا: حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- مرفوعًا، وفيه: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» رواه مسلمٌ. وما دون الكفاية لا يكون مُجزئًا.
ثانيًا: حديث عليٍّ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم. وإسناده حسنٌ.
قال القرافيُّ في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وتحليلها التسليم»: "والمبتدأ يجب انحصاره في الخبر، فيكون تحليلها منحصرًا في التسليم، فلو اعتمد غيرَه لكان باقيًا في الصلاة، مُدْخِلًا فيها ما ليس منها وهو حرام، وترك الحرام واجب، فيجب التسليم".
ثالثًا: مواظبته -صلى الله عليه وسلم- على التسليمتين سفرًا وحَضَرًا، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاريُّ. ولم يثبت عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه اقتصر على تسليمة واحدة.
فعن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- «أن أميرًا كان بمكةَ يُسلم تسليمتين، فقال ابن مسعود: أنّى عَلِقَهَا؟ إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله» رواه مسلمٌ.
وعن سعدٍ -رضي الله عنه- قال: «كنت أرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خدِّه» رواه مسلمٌ.
رابعًا: عن مسروقٍ: "أن أبا بكرٍ الصديق -رضي الله عنه- كان يُسلِّم تسليمتين عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خدِّه" أخرجه ابن المنذر. وإسناده صحيحٌ.
خامسًا: عن الحسن بن عمرو قال: ذُكِرَ التسليم عند شقيق فقال: «قد صليت خلف عمر وعبد الله، فكلاهما يقولان: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» أخرجه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيحٌ.
سادسًا: وعن شقيق بن سلمة قال: «صليت خلف عليٍّ فسلَّم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» أخرجه ابن أبي شيبة. وإسناده حسنٌ.
وعند أبي حنيفة: وجوب التسليمتين، قال ابن الهمام في فتح القدير: «ثم قيل: الثانية سُنَّة، والأصحُّ أنها واجبة كالأولى». ولو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو، والخروج بلفظ السلام ليس بفرض.
فلو أتى بمنافٍ آخر بعد أن جلس للتشهد صحَّت صلاته.
واستدلوا:
أولًا: بحديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيده، فعلَّمه التَّشهُّد في الصلاة، ثم قال: إذا قلت هذا، وقضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» رواه أحمد وأبو داود والدارقطني. وقال: "الصحيح أن قوله: «إذا قضيت...» من كلام ابن مسعود". وقال البيهقي: "إنه كالشاذ من قول عبد الله".
ثانيًا: حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «إِذَا أَحْدَثَ ــ يعني الرجل ــ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ» رواه أبو داود والترمذي وقال: "إسناده ليس بذاك القوي" في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
وعند الشافعيِّ: الفرض تسليمة واحدة، وتُسنُّ الأخرى؛ لِمَا يلي:
أولًا: ظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث علي -رضي الله عنه-: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ». والتسليمة الواحدة يقع عليها التسليم.
ثانيًا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- اقتصر على تسليمةٍ واحدةٍ، كما في حديث عائشة، وأنسٍ، وسلمة -رضي الله عنهم-. وقال الإمام أحمد: "لا نعرف عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في التسليمة الواحدة إلا حديثًا مرسلًا لابن شهاب الزهري، عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-". ومراسيل ابن شهابٍ من أوهى المراسيل وأضعفِها.
قال ابن عبد البر: "أحاديث التسليم ــ أي: تسليمةً واحدةً ــ معلولة، ولا يُصحِّحها أهل العلم بالحديث".
ثالثًا: لوروده عن جمع من الصحابة -رضي الله عنهم-، فقد ورد عن حُميد قال: "صليتُ مع أنس -رضي الله عنه- فكان يُسلّم تسليمةً واحدةً: السلام عليكم" رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر. وإسناده صحيحٌ.
وعن سعيد بن مرزبان قال: "صليتُ خلف ابن أبي ليلى، فسلَّم واحدةً، ثم قال: صليت خلف عليٍّ فسلّم واحدةً" رواه ابن أبي شيبة. وإسناده حسن.
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: "رأيت سلمة ــ وهو ابن الأكوع ــ يُسلّم تسليمةً إذا انصرف من الصلاة قِبَل وجهه إذا كان مع الإمام وغيره" رواه ابن المنذر.
وثبت بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- «أنه كان يُسلّم عن يمينه واحدة» رواه عبد الرزاق.
وعن عائشـة -رضي الله عنها- «أنهـا كانت تُسلِّم تسليمة واحـدة قُبـالة وجههـا» رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيحٌ.
رابعًا: أنه ثبت في النفل، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا لدليل، كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة... وفيه: ثم يُسلِّم تسليمةً» رواه أحمد والنسائي وابن حبان. قال الحافظ في «التلخيص»: "وإسناده على شرط مسلمٍ، ولم يستدركه الحاكم مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد عن هشام كما قدمناه"، وله شاهد من حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- عند أحمدَ وغيره.
وعند مالكٍ: وجوب التسليمة الأولى على الإمام والمنفرد، ولا تُسنُّ الثانية لهما، ويستحبُّ للمأموم ثلاث تسليماتٍ: اثنتان عن يمينه وشماله، والثالثة تلقاء وجهه يَردُّها على الإمام.
وصورتها: أن يُسلِّمَ تسليمةَ التحليل عن يمينه، والثانية قُبالة وجهه، يقصد بها الإمام، والثالثة: عن يساره، إن كان عن يساره أحد، وقيل: عن يساره مطلقًا؛ لوجود الملائكة.
واستدل: بحديث سمرةَ -رضي الله عنه- قال: «أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نَرُدَّ على الإمام، وأن نتحابَّ، وأن يُسلِّم بعضنا على بعض» رواه أبو داود. وإسناده ضعيفٌ؛ الحسن البصري لم يُصرّح بسماعه من سمرة بن جندب.
ولوروده عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «السلام عليكم عن يمينه، ثم يَرُدُّ على الإمام، فإن سلَّم عليه أحد عن يساره، ردَّ عليه» ذكره مالكٌ في الموطأ.
والأحوط في ذلك: تسليمتان.
س: ما حُكم الجلوس في التشهد الأخير للمسبوق؟
ج: الحمد لله، الجلوس في هذا التَّشهُّد واجبٌ على المسبوق باتفاق الفقهاء.