س: ما معنى صوم الدهر؟ وما حكمه؟
ج: الحمد لله، الدهر: الزمان الطويل، والمراد به هنا: صيام جميع أيام السَّنَة.
والمشهور من المذهب، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة: أن صوم الدهر مكروهٌ.
ودليل الكراهة: «نهي النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمرو عن صوم الدهر» متفقٌ عليه؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبد الله بن عمرو: «لا صامَ مَن صامَ الأبدَ» متفقٌ عليه.
وهذا دعاءٌ منه -صلى الله عليه وسلم- على مَن صام الأبد، لكن قيل: المعنى: النفي، أي: ما صام؛ لقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31] ويدل لذلك: ما في مسلمٍ من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «لا صامَ ولا أفطَرَ»، قال ابن حجر: "لم يحصل أجر الصوم؛ لمخالفته، ولم يفطر؛ لأنه أمسك".
القول الثاني: يجوز صيام الدهر إذا لم يَترك به حقًّا، ولا خاف منه ضررًا؛ وهو مذهب الشافعيَّة؛ لعموم الأدلة الدالة على فضل الصيام.
وعن عائشة -رضي الله عنها- أن حمزة بن عمرو الأسلمي -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: صُمْ إنْ شئتَ، وأفطِرْ إنْ شئتَ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وعن عائشة زوج النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنها كانت تصوم الدهر، ولا تفطر إلا يوم أضحًى أو يوم فطر» رواه الفريابي في الصيام، وإسناده حسنٌ.
وعن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- "أن عمر سرد الصوم قبل موته بسنتين" رواه ابن أبي شيبة والفريابي في الصيام والبيهقي في الكبرى، وإسناده صحيحٌ.
وعن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- قال: «كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم-؛ من أجل الغزو، فلما قُبِض النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم أرَه مفطرًا إلا يوم فطر أو أضحًى» رواه البخاريُّ.
القول الثالث: استحباب صوم الدهر، وبه قال كثيرٌ من أهل العلم؛ لحديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إني أسرد الصوم» متفقٌ عليه.
ولم ينهه النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن حُمِل على أن المراد أنه يكثر الصيام، ولا يلزم منه صوم الدهر، ويدل لهذا: حديث عائشة -رضي الله عنها-: «أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: إنْ شئتَ فَصُمْ، وإنْ شئتَ فأفطرْ» متفقٌ عليه؛ ولأن بعض الصحابة سَرَدُوا الصوم، كأبي طلحة -رضي الله عنه-، وحملوا أحاديث النهي على من أدخل على نفسه مشقة أو فوَّت حقًّا.
القول الرابع: حرمة صوم الدهر، وبه قال أبو يوسف من الحنفيَّة وهو روايةٌ عن الإمام أحمد، وإسحاق، والظاهرية؛ لنهي النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عنه؛ ولحديث أبي موسى -رضي الله عنه- مرفوعًا: «مَن صامَ الدَّهرَ ضُيِّقَتْ عليه جهنَّمُ هكذا! وقَـبَضَ كَفَّـهُ» رواه أحمد والطبراني، وقال الهيثمي في الْمَجْمَـع: "رجـالـه رجال الصحيح".
ولِمَا روى يحيى بن عمرو بن سلمة الهَمْداني قال: سمعت أبي يقول: "سُئل ابن مسعودٍ عن صوم الدهر فكرهه، وسُئل عما دون ذلك، فقال: صيام ثلاثة أيام من الشهر" رواه الطبري في تهذيب الآثار مسند عمر بن الخطاب، والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي: "إسناده حسنٌ".
وأُجيب عنه: بأنه محمولٌ على من فوَّت واجبًا، أو فَعَل محرمًا، كصيام العيدين وأيام التشريق.
وأقرب الأقوال: الكراهة، أو تركه أَولى؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة، إلا إن أدَّى إلى تفويت واجبٍ أو فعل محرمٍ فيحرم.
س: ما معنى الوصال في الصوم؟ وما حكمه؟
ج: الحمد لله، الوصال: هو ألا يُفْطِر بين اليومين فأكثر، والحكمة في النهي عن الوصـال: لئلا يضعف عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات.
والمذهب، وبه قال الحنفيَّة، والمالكيَّة، وقول عند الشافعيَّة: يُكره الوصال.
وعند الحنابلة: تزول الكراهة بأكل تمرةٍ ونحوها؛ لأن الأكل مظنّة القوة، وكذا بمجرد الشرب، على ظاهر ما رواه المَرُّوذي عنه -أي الإمام أحمد-: أنه كان إذا واصل شَرِبَ شربة ماءٍ؛ لما رواه رجلٌ من الصحابة: «نهى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- عن الحجامة والمواصلة -ولم يحرِّمْهما-؛ إبقاء على أصحابه» رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الحافظ.
وروى البزار، والطبراني في الأوسط من حديث سمرة -رضي الله عنه- «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، وليس بالعزيمة».
وأيضًا: مواصلة الصحابة، فروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ: "أن ابن الزبير كان يواصل خمسة عشر يومًا".
وعند الحنابلة أيضًا: لا يكره الوصال إلى السَّحَر، نصَّ عليه أحمد، ولكن تَرَكَ الأَولى وهو تعجيله الفطر؛ لحـديث أبي سعيد الخـدري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تُواصلوا، فأيُّـكُمْ إذا أرادَ أنْ يُواصلَ فليُوَاصِلْ حتى السَّحَرِ» رواه البخاريُّ.
القول الثاني: يحرم الوصال، ويجوز إلى السَّحَر، وبه قال الشافعيَّة في الأصح؛ لمـا روى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريـرة -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله! قال: وأيُّـكم مثلي؛ إنِّي أبيتُ يُطْعِمُنِي ربِّي ويسقينِ، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخَّرَ لزدتُكُمْ، كالتَّنْكِيل لهم حين أبوا أن ينتهوا» رواه البخاريُّ واللفظ له، ومسلمٌ.
ولحديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل! قال: إنِّي لستُ كهيئتكم؛ إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
ولما روى بشير بن الخصاصية -رضي الله عنه- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوصال، وقال: إنَّما يفعلُ ذلكَ النَّصَارَى» رواه أحمد والطبراني، وصحَّح إسناده في الفتح.
ونوقش هذا الاستدلال: بوجود الصارف له عن التحريم، كما تقدم في أدلة من قال بالكراهة.
والأقرب: أن الوصال يجوز من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ، وهو أعدلُ الوصال وأسهله على الصائم.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟