واختار مالكٌ تشهُّدَ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه-: "التَّحِيَّاتُ للهِ، الزَّاكِيَاتُ للهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ للهِ...".
واختار الشافعي تَشهُّدَ ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ...".
فالتَّشهُّدات وردت على صيغٍ متنوعةٍ، منها: حديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-.
ومنها: تشهُّدُ ابن عباسٍ: ولفظه: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّـبَاتُ للهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّـالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَـدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» أخرجه مسلمٌ.
ومنها: تشهُّدُ أبي موسى -رضي الله عنه-: ولفظه: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ للهِ، السَّـلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» أخرجه مسلمٌ.
ومنها: تشهُّدُ عمرَ -رضي الله عنه- أخرجه مالكٌ في الموطأ وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي. وقال الزيلعي في نصب الراية: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ". ولفظه عند مالك والبيهقي: «التَّحِيَّاتُ للهِ، الزَّاكِيَاتُ للهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ للهِ...»، كتشهُّد ابن مسعودٍ، وفي لفـظٍ للبيهقي: «التَّحِـيَّاتُ للهِ، الزَّاكِـيَّاتُ للهِ، الطَّيِّـبَاتُ للهِ، الصَّلَوَاتُ للهِ...» . والباقي كتشهُّد ابن مسعودٍ، فقد كان عمر -رضي الله عنه- يُعلِّم الناس وهو على المنبر، فهو وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع.
ومنها: تشهُّدُ عائشة -رضي الله عنها-: أخرجه مالك في الموطأ وابن أبي شيبة والبيهقي، ولفظه كما روى القاسم بن محمد عنها قال: "كانت عائشةُ تُعلِّمنا التَّشهُّد وتُشير بيدها، تقول: التحيات الطيبات، الصلوات الزاكيات لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته.."، والباقي كتشهُّدِ ابن مسعودٍ، وصحَّحه الألباني في صفة الصلاة.
ومنها: تشهُّدُ ابن عمر -رضي الله عنهما-: أخرجه أبو داود والدارقطني وصحَّحه، كتشهُّدِ ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-، وفيه: قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: وزدت فيها: «وحده لا شريك له» بعد «شهادة أن لا إله إلا الله».
فينبغي للمصلي وخصوصًا طالب العلم أن يحفظ هذه التَّشهُّدات؛ لكي يعمل بالسُّنَّة كُلِّها.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "السُّنَّة أن يعمل بكُلِّ السُّنن الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-" وهو الصواب لأمور:
الأمر الأول: أنه يعمل بالسُّنَّة كُلِّها، ولا يغلو في سُنَّةٍ ويجفو سُنَّةً أخرى.
الأمر الثاني: أنه أحفظُ للعلم، فمثلًا إذا صلى بتشهُّدِ ابن مسعودٍ في صلاةٍ، وفي صلاةٍ أخرى بتشهُّد ابن عباسٍ، وتارة يستفتح باستفتاح أبي هريرة -رضي الله عنه-: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ».
وأخرى باستفتاح أبي سعيدٍ -رضي الله عنه-. تجد أنه يحفظ العلم، ولا يضيع عليه شيءٌ من ذلك.
الأمر الثالث: أنه أحضرُ للقلب، وأدعى للخشوع، فإذا كان الإنسان مواظبًا على سُنَّةٍ واحدةٍ من هذه السُّنن لا يكون عنده من الخشوع وحضور القلب ما يكون عند الذي يتخيّر من سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ تارةً يعمل بهذه السُّنَّة، وتارةً يعمل بالسُّنَّة الأخرى.
وأيضًا: بعض هذه السُّنن أخصرُ من بعض، فقد يحتاج أن يفعل هذه السُّنَّة التي تكون أخصرَ.
وقوله: «التَّحيات لله»، التحيات: جمع تحيَّةٍ، والتحية هي التعظيم، فكُلُّ التعظيمات قولية أو فعلية فإنها لله، أي: مُختصَّةٌ بالله تعالى.
فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لله» اللام للاستحقاق والاختصاص، فلا يستحِقُّ التعظيمات على سبيل الإطلاق إلا الله، أمَّا غيرُ الله من المخلوقين فيُحَيَّا بتَحَايَا مُقيَّدة خاصة، لكن لا يستحِقُّ التعظيم المطلق إلا الله تعالى.
واسم: «اللهِ»، أصله الإله، حذفت الهمزة، وأدغمت اللام باللام.
ومعنى «الله» أي: ذو الربوبية والألوهية على خلقه أجمعين.
قوله: «والصَّلواتُ»، الصلوات اختلف أهل العلم في المراد بها؟ فقيل: "أل" هنا في قوله: «الصَّلواتُ» للعهد، والمراد بذلك الصلوات المعهودة، أي: الخمس.
وقيل: إن المراد بذلك الأدعية.
والصواب: أن هذه المعاني كُلَّها تندرج تحت هذا اللفظ، وأهل التفسير يذكرون قاعدةً وهي: "أن المعاني إذا كانت تندرج تحت اللفظ بلا تنافي فإن اللفظ يشملها كُلَّها". وتجد أن اختلاف السلف -رحمهم الله- في تفسير لفظٍ من ألفاظ القرآن أو من ألفاظ السُّنَّة النبوية إنما هو على سبيل المثال، وأنه اختلاف تنوّعٍ، وليس اختلاف تضادٍ.
قوله: «وَالطَّيِّـبَاتُ»، الطيبات: جمع طيب، وتشمل كُلَّ ما كان طيبًا من الأقوال والأعمال، يعني: أن الأقوال والأعمال الصالحة كُلَّها لله تعالى.
قوله: «السلَامُ عليكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، لأهل العلم -رحمهم الله- في معنى السلام رأيان: الرأي الأول: المراد به الله تعالى؛ لأن السلام اسمٌ من أسماء الله ¿ كما قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[الحشر:23]، فمعنى السلام من الله على الرسول -صلى الله عليه وسلم- أي: بالحفظ والكلاءة والعناية.
الرأي الثاني: أن المراد بالسلام مصدر بمعنى التسليم، يعني: أنك تدعو للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالسلامة، أمَّا في حياته فظاهرٌ، فإنك تدعو له أن يُسْلِّمَ بدنه وماله وعرضه ونحو ذلك من أعدائه.
وأمَّا بالنسبة للدعاء له بالسلامة بعد مماته فيشمل أمرين:
الأول: الدعاء بالسلامة المعنوية: بأن يُسلِّمَ الله شرعه وسُنَّته من تأويل الغالين وتحريف المبطلين.
الثاني: الدعاء بالسلامة الحسية، بأن تدعوَ له بالنجاة من أهوال يوم القيامة، فإنه ما من نبيٍّ يوم القيامة إلا ويجثو على ركبتيه ويقول: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ».
قوله: «وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه» المراد بالرحمة هنا الفوز بالمطلوب، والدعاء له بالسلامة، أي: النجاة من المرهوب، فأنت جمعت في دعائك بين هذين الأمرين: دعوت للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسلمه وأن ينجيه، ثم بعد ذلك دعوت له أن يفوز بالمطلوب، هذا إذا اجتمعا.
أمَّا إذا أفرد أحدهما، فقيل: السلام، أو قيل: الرحمة؛ فإنهما يجتمعان في المعنى.
وفي هذا الحديث بدأ بالسلام قبل الرحمة؛ لأن السلامة النجاةُ من المرهوب، ففيه التخلية قبل التحلية، فالنجاة من المرهوب فيه تخلية، ورحمة الله تعالى وهي الفوز بالمطلوب فيه تحلية.
وقوله: «وَبَرَكَاتُهُ» جمع بركة، وهي: النماء والزيادة.
فأنت تدعو للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالبركة، والدعاء بالبركة في حال حياته ظاهر؛ تدعو بالبركة في ذاته وفي بدنه وفي أهله، وفي ماله وفي طعامه وفي سُنَّته وفي دعوته.
وأمَّا الدعاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالبركة بعد مماته، فالبركة في دعوته وفي سُنَّته وفي شرعه؛ لأنه ما من أحد يهتدي بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويدخل في الإسلام إلا كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- مثل أجره.
قوله: «السلام علينَا» أي: على مَن حضر من المصلين، من الإمام والمأموم والملائكة.
قوله: «وعلى عباد الله الصالحين» الصالحون جمع صالحٍ، وهو مَن قام بحقِّ الله وحقِّ عباد الله.
وخصَّ الصالحين بالدعاء لهم بالسلامة؛ لكونهم اختصوا بالقيام بحقوق المخلوقين، وحقوق الله تعالى، وهذا فيه فائدة التقوى، فإذا كان الإنسان صالحًا فإن كُلَّ مُصلٍّ يدعو له بالسلام، فحريٌّ بالإنسان أن يعنى بذلك، وأن يستقيم على شرع الله تعالى؛ لكي يفوز بدعوات المسلمين.
ورجل يدعو له المسلمون في صلواتهم، فحريٌّ أن يستجيبَ الله تعالى دعاءَ المسلمين فيه وأنه يسلِّمُه في دينه وماله وأهله وبدنه.
وكلما كان الإنسان أصلحَ كان حظُّه من هذا السلام أكثرُ.
قوله: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ» الشهادة هي الخبر القاطع، وإنما قال: أشهد ولم يقل: أُخبِر، كأن هذا الإخبار من شدة القطع به أن الإنسان عاينَه، ورآه بعينه.
وقوله: «أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ»، ومجمل معنى (أن لا إله إلا الله) أي: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، أي: تقطع وتجزم أن لا معبودَ بحقٍّ إلا الله.
قوله: «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه»، أي: أقطع وأجزم بأن محمدَ بن عبد الله عبدٌ من عباد الله، ليس له من خصائص الألوهية والربوبية شيءٌ، وأنه مرسلٌ من الله تعالى إلى الثقلين بدعوة التوحيد. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألّا يعبدَ الله إلا بما شرع".
وفي هذا الحديث جمع بين العبودية والرسالة للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لكي يكون الإنسان وسطًا في حقِّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا يغلو ولا يجفو.
ففي قوله: «عَبْدُهُ» ردٌّ على الصوفية والخرافية الذين يَغْلُون في حقِّ النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقوله: «وَرَسُولُه» ردٌّ على مَن يجفو في حقِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ككفار العرب الذين ينكرون رسالته -صلى الله عليه وسلم- أو مَنْ يُنكر عموم رسالته -صلى الله عليه وسلم-، ويجعلها خاصةً بالعرب كما يدعيه أهل الكتاب.
وقوله: «وَرَسُولُه» أي: المرسل إلى الناس كافةً.
والرسول: هو مَن أوحي إليه بشرع، وأُمر بتبليغه، وأمَّا النبي: فهو من أوحي إليه بشرع ولم يُؤمرْ بتبليغه. وقيل: هو الذي يحكم بشريعة الرسول الذي قبله ولم يُوحَ إليه بشرعٍ جديدٍ.