الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1448 هـ

تاريخ النشر : 01-10-2026

ما حكم وطء الحائض والاستمتاع بها ؟

الجواب

الحمد لله، قال صاحب الزاد: "يَحْرُمُ وطْؤُها فِي الفَرْجِ" وهذا بالإجماع، ويدلُّ على ذلك:
أولًا: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}[البقرة:222] فقال تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}، وهذا أمرٌ، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}، وهذا نهيٌ.
ثانيًا: قوله -صلى الله عليه وسلم- من حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّـكَاحَ».
"فإن فعلَ فعليه دِينارٌ أوْ نِصْفُهُ كَفّارةً"، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو من المفردات.
الرأي الثاني: أنه لا يجب عليه كفارةٌ، وهو رأي جمهور أهل العلم؛ لعدم الدليل.
واستدلَّ الحنابلة على ذلك: بما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا في الذي يأتي امرأته وهي حائضٌ، قال: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» أخرجه أبو داود وغيرُه، لكنه لا يَصِحُّ مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ضعَّفه الإمام أحمد، وقال: «لم يرفعه عبد الرحمن ولا بهزٌ»، وإنما هو موقوفٌ على ابن عباس.
ورجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية ما ذهب إليه الحنابلة، مع أن الحديث لا يَصِحُّ مرفوعًا، وقال: "لو لم يأتِ هذا الأثر، فإن أصول الشريعة تدلُّ على ذلك" أي: على إيجاب الكفارة، وأيّده: بأن الوطء إذا كان مباحًا، ثم حُرّم لعارض فوطِئَ الإنسان لَزِمَتْهُ الكفارة، ونظير ذلك جِماع المُحْرِم، فإذا وَطِئَ في حال إحرامه؛ لَزِمَتْهُ الكفارة، ومِثْلُه جماعُ الصائم في نهار رمضان ممن يلزمه الصوم، فإنه تلزمه الكفارة.
وقولنا: "دِينارٌ أوْ نِصْفُهُ" الظاهر: أنه على التخيير، إن شاء أن يتصدَّقَ بدينارٍ، وإن شاء أن يتصدَّقَ بنصف دينار.
والرأي الثاني: أنه على التعيين، أي: إن وَطِئَها في حال الدم لَزِمَهُ دينارٌ، وإن وَطِئَها في حال الكدرة لَزِمَهُ نصفُ دينارٍ.
الرأي الثالث: إن وَطِئَها في حال إقبال الحيض فعليه دينار، وإن وَطِئَها في حال إدباره فعليه نصف دينار.
والدينار يساوي مِثقالًا، والمثقال يساوي أربع غرامات وربعًا من الذهب، وعلى هذا: نسأل عن قيمة الغرام اليومَ، فإذا فرضنا أن قيمة غرام الذهب اليوم تساوي ثلاثين، فأربعُ غرامات وربع في ثلاثين تساوي مائةً وسبعةً وعشرين ونصفًا، أو نصف دينار، أي: نصف المائة والسبعة والعشرين، تساوي ثلاثةً وستين وثلاثة أرباعٍ.
قال صاحب الزاد: "ويستمتِعُ منها بما دُون الفَرْج" يعني: يستمتع من الحائض بما دون الوطء؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»، يعني: الجماع.
هذا والاستمتاع من الحائض ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الوطء في الفَرْج، فحكمُه محرَّمٌ بالإجماع، لِمَا دلَّ عليه من الكتاب والسُّنَّة.
القسم الثاني: الاستمتاع فيما عدا ما بين السُّرَّة والركبة، فحكمه جائزٌ، وقد نُقِلَ الإجماع على جوازه.
القسم الثالث: الاستمتاع فيما بين السُّرَّة والركبة، بغير الوطء (الجماع)، فظاهر حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّـكَاحَ»، أنه لا بأسَ به.
فالمذهب، وهو قول عكرمة وعطاء والشعبي والثوري وإسحاق: أنه لا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفَرْج خاصة؛ لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}[البقرة:222]، فالمراد باعتزال النساء في المحيض اعتزالُ فروجهنَّ وهو مكان الحيض، ولحديث أنس -رضي الله عنه- السابق، وعن مسروقٍ أنه قال لعائشة -رضي الله عنها-: «مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا؟ فَقَالَتْ: «كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا فَرْجَهَا» رواه الطبري، وإسناده صحيح.
وعند الحنفية والمالكية والشافعية: يحرم عليه الاستمتاعُ بما تحت الإزار، وهو ما بين السُّرَّة والركبة؛ لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}[البقرة:222].
ونوقش: بأن المراد بالمحيض في الآية اسمٌ لمكان الحيض؛ بدليل حديث أنسٍ -رضي الله عنه-.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أغتسل أنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، كِلانا جُنُب، وكان يأمرني، فأتَّزِر، فيباشرني وأنا حائض» رواه البخاري ومسلم.
وفي وجهٍ عند الشافعية: يستحبُّ في المباشرة أن تكونَ من فوق الإزار ولا يجب؛ جمعًا بين حديث أنسٍ -رضي الله عنه-، وحديث عائشة وميمونة -رضي الله عنهما-، وكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يباشِرَ أحدًا من نسائه أمرها فاتَّزرت.
قال النووي: "وأمَّا مباشرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فوق الإزار فمحمولةٌ على الاستحباب؛ جمعًا بين قوله وفِعْلِه -صلى الله عليه وسلم-".
وقيل: إن وَثِقَ المباشرُ تحت الإزار بضبط نفسِه جاز، وإلا فلا.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟