الخميس 16 رمضان 1447 هـ

تاريخ النشر : 13-12-2025

ما حكم زكاة الذهب والفضة؟ وما نصابها ومقدارها؟

الجواب

س: ما الدليل على وجوب الزكاة في النقدين؟
ج: الحمد لله، الزكاة في الذهب والفضة واجبةٌ بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
وأما السنة: فقد جاء وجوبها في كثير من الأحاديث، ومن ذلك: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» رواه مسلمٌ. والإجماع قائمٌ على ذلك.

س: هل تجب الزكاة في النقدين مطلقًا أو لا بد من نصاب؟ وما مقداره؟ 
ج: الحمد لله، الزكاة في الذهب وفي الفضة لا تجب مطلقًا، بل لا بد من النِّصاب، ومقدار النِّصاب وهو في الذهب: عشرون مثقالًا، وفي الفضة: مائتا درهم باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه-، قال: قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» متفقٌ عليه، وحديث عائشة وابن عمر -رضي الله عنهما- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأخذ من كل عشرين مثقالًا، نصف مثقال» أخرجه ابن ماجه في سننه، وهذا الحديث ضعيفٌ.
وعن خالدٍ الحذَّاء قال: سألت ابن عمر عن صدقة مال العبد؟ فقال: "أليس مسلمًا؟ فقلت: بلى، قال: فإن عليه في كل مائتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك" رواه عبد الرزاق، وإسناده صحيحٌ.
ويدل لذلك: أنه قد ورد أيضًا: حديث عليٍّ -رضي الله عنه- وفيه: «فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ -يَعْنِي فِي الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذيّ والحاكم، وصححه البخاري -رحمه الله- كما نقله الترمذيّ.

س: هل المعتبر في زكاة النقدين الوزن أو العدد؟ 
ج: الحمد لله، عند جمهور أهل العلم: المعتبر في الذهب والفضة الوزن وجوبًا وأداءً، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، والحنابلة والمالكيَّة والشافعيَّة؛ للأدلة الدالة على اعتبار الوزن، كقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «ليس فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» فاعتبر -صلى الله عليه وسلم- الوزن.
مثال ذلك: عنده خمسة عشر مثقالًا، وهذه المثاقيل تَزِنُ بلوغ النِّصاب، فإنه تجب عليه الزكاة.
الرأي الثاني: أن المعتبر العدد؛ لما جاء من الأدلة على اعتبار العدد، كحديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كتب فيما كتب في الصدقات: «وفي الرِّقَةِ إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة، فليس فيها صدقةٌ إلا أن يشاء ربها». وقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عليٍّ -رضي الله عنه-: «فإذا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ -يعني فِي الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا» فاعتبر العدد.
والأقرب في ذلك: النظر للأحوط للفقراء، فقد يكون الأحوط هو العددَ، وقد يكون الأحوط هو الوزنَ.

س: ما أقوال العلماء في مقدار الدرهم والدينار؟
ج: الحمد لله، اختلف العلماء في مقدار الدرهم والدينار على أقوال:
القول الأول: أن الدرهم الشرعي يساوي خمسين حبة شعيرٍ وخُمُسَي حبة، والدينار يساوي ثنتين وسبعين حبة شعير، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة.
وصفة حبة الشعير: حبةٌ معتدلـةٌ غير مقشورةٍ، ومقطوعٌ من طرفيهـا ما دقّ وطال.
القول الثاني: أن الدرهم الشرعي يساوي سبعين حبة شعيرٍ، والدينار مائة شعيرةٍ، وهو مذهب الحنفيَّة.
القول الثالث: أن الدرهم الشرعي يساوي خمسًا وسبعين حبة وستة أعشار حبة وعُشر حبة، والدينار يساوي ثنتين وثمانين حبة، وثلاثة أعشار الحبة من الشعير المطلق، وبه قال ابن حزمٍ.
واختُلِف في وزن المثقال بالغرامات بعد أن قدَّره العلماء بحَبِّ الشعير على أقوال:
القول الأول: 3,5 غرامات، فنصاب الذهب 3,5 × 20= 70 غرامًا.
القول الثاني: 4,25 غرامًا، فنصاب الذهب 4,25 × 20 = 85 غرامًا.
القول الثالث: 3,60 غرامًا، فنصاب الذهب 3,60 × 20= 72 غرامًا.
نصاب زكاة الفضة = 200 درهم إسلامي، وتساوي بالمثاقيل 140 مثقالًا؛ لأن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
فمن جعل زنة المثقال = 3,5 غرامًا، فنصاب الفضة 3,5 × 140= 490 غرامًا.
ومن جعل زنته = 4,25 غرامًا، فنصاب الفضة 4,25× 140= 595 غرامًا.
ومن جعل زنته = 3,60 غرامًا، فنصاب الفضة 3,60 × 140= 504 غرامًا.
* ظهر أن أوزان النقـود المحفوظة في المتـاحف العربية والغربية وزن الدينار =4,25 من الغرامـات، والإجماع منعقدٌ منذ صدر الاسـلام وعهد الصحابة والتابعين أن كل عشرة دراهم تساوي سبعة دنانير، والدينار هو الأصل الذي يعرف عن طريقه الدرهم، فيكون وزن الدرهم 4,25 ×7 ÷ 10 = 2,975 من الغرامات.
فنصاب الفضة يساوي 2,975 ×200=595 غرامًا.
ونصاب الذهب 4,25 ×20 =85 غرامًا.

س: هل يُضم أحد النقدين إلى الآخر لتكميل النصاب؟
ج: الحمد لله، لو ملك عشرة مثاقيل ومائة درهم، فكل منها نصف نصاب، ومجموعها يساوي نصابًا، فقال صاحب الزاد من الحنابلة: أنَّ الذهب والفضة كلٌّ منهما يُضم إلى الآخر.
ودليلهم على ذلك: ما روي عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه قال: "مضت السُّنة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضم الذهب إلى الفضة، والفضة إلى الذهب في إخراج الزكاة" أورده السرخسي في المبسوط، ولم أقف عليه في كتب الأثر.
ولأن نفعهما واحدٌ، والأصول فيهما متحدةٌ، فإنهما قِيَمُ المتلفات، وأروش الجنايات، وأثمان البياعات، وحلي لمن يريدهما لذلك، فمقاصدهما وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي الجنس الواحد.
وعند الشافعيَّة، ورواية لأحمد، وهو قول أبي عبيد وابن أبي ليلى وأبي ثور: أنه لا يُضم ذهبٌ إلى فضةٍ، ولا فضةٌ إلى ذهبٍ؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» متفقٌ عليه.
وهذا يشمل ما إذا كان عنده من الذهب ما يكمل به خمس أواقٍ أو لا.
ولحديث عليٍّ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ -يَعْنِي فِي الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» رواه أحمد وأبو داود والترمذيّ والنسائي والحاكم، وصححه البخاري، كما نقله الترمذيّ في سننه. وهذا يشمل ما إذا كان عنده من الفضة ما يكمل به عشرين دينارًا أو لا.
ولأنه يجوز التفاضل عند مبادلة أحدهما بالآخر، كما في حديث عبادة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رواه مسلمٌ. فدل على أن كلًّا منهما جنس مستقل.
وكما أننا لا نضم البر مع الشعير فكذلك أيضًا لا نضم الذهب مع الفضة، وهذا القول هو الصواب إلا أننا نستثني ما إذا كانت عُروضَ تجارة، فإنها تُضم.
مثال ذلك: لو أن إنسانًا صائغًا يبيع الذهب والفضة، نضم الذهب إلى الفضة؛ لأن عروض التجارة ليست مقصودةً لذاتها، وإنما المقصود القيمة، والقيمة واحدةٌ فنضم الذهب والفضة.
ويجوز إخراج زكاة أحدهما عن الآخر، الذهب عن الفضة، والعكس.

س: هل يُضم أحد النقدين إلى الآخر بالأجزاء أم بالقيمة؟
ج: الحمد لله، المذهب، وبه قال أبو يوسف ومحمد من الحنفيَّة، وهو مذهب المالكيَّة: يُضم أحدهما إلى الآخر بالأجزاء لا بالقيمة، أي: أن كل واحدٍ منهما يحتسب من نصابه، فإذا كملت أجزاؤهما نصابًا وجبت الزكاة.
مثل: أن يكون عنده نصف نصابٍ من أحدهما، ونصف نصابٍ من الآخر، أو ثلث من أحدهما وثلثان من الآخر، فلو ملك مائة درهمٍ، وعشرة مثاقيل، أو مائةً وخمسين درهمًا، وخمسة دنانير، أو مائة وعشرين درهمًا، وثمانية دنانير، وجبت الزكاة فيهما. وإن نقصت أجزاؤهما عن النِّصاب، فلا زكاة فيهما، كعشرة مثاقيل، وتسعين درهمًا تبلغ قيمتها عشرة مثاقيل فلا ضم.
وعند الحنابلة: يضم جيدُ كل جنسٍ إلى رديئه، ويضم مضروبه إلى تِبْرِهِ؛ لأن الضم بالأجزاء متيقنٌ بخلاف القيمة، فإنها ظنٌّ وتخمينٌ؛ ولأن الأثمان تجب الزكاة في أعيانها، فلا تعتبر قيمتها، كما لو انفردت؛ وقياسًا على الحبوب والثمار وأنواع الأجناس كلها، فالمعتبر القدر دون القيمة.
القول الثاني: أنه يضم أحدهما إلى الآخر باعتبار القيمة، فمن كان عنده مائة درهمٍ وخمسة مثاقيل ذهب تبلغ قيمتها مائة درهم فعليه الزكاة، وبه قال أبو حنيفة؛ ولأن الضم للمجانسة، وهي تتحقق باعتبار القيمة دون الصورة، فيضم بهما.
القول الثالث: يضم أحدهما إلى الآخر بما هو أحظ للفقراء من الأجزاء أو القيمة. وهو روايةٌ عن أحمد؛ مراعاة للفقراء.
والراجح: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة؛ إذ هو ظاهر السنة.

س: هل تُضمُّ قيمة العُروض إلى كلٍّ من النقدين؟
ج: الحمد لله، نعم؛ لأن الزكاة في العروض تجب في قيمتها، وهي تقوَّم بكل منهما، فكانا مع القيمة جنسًا واحدًا.
مثال ذلك: زيدٌ عنده نصف نصابٍ من الذهب عشرة مثاقيل، والنصف الباقي عنده عروض تجارةٍ، أقمشة وألبسة أو مواد غذائية، ونحو ذلك، يضم بعضها إلى بعض في تكميل النِّصاب؛ لأن هذه العروض يقصد منها القيمة، والذهب قيمٌ للأشياء.
مثال آخر: لو كان عنده نصف نصابٍ من الفضة والباقي عروض تجارة أطعمةٍ أو ألبسةٍ ونحو ذلك، فإنه يضم بعضها إلى بعض؛ لأن العروض لا تقصد لذاتها وإنما تقصد منها القيمة.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟