ما حكم التحلي بالذهب والفضة؟
ج: الحمد لله، المتحلِّي لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون أنثى، فيباح للأنثى الذهب والفضة، فالأصل هو الإباحة لها.
ويدل ذلك: حديث أبي موسى وحديث عليٍّ -رضي الله عنه- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ حريرًا وذهبًا، وجعل أحدهما في يمينه والآخر في شماله، وقال: إِنَّ هَذَيْنِ مُحَرَّمٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ». إلا ما يستثنى.
الأمر الثاني: أن يكون ذكرًا، فالأصل التحريم في الذهب والفضة.
أما الذهب فالأصل التحريم، وهذا ظاهرٌ من الأدلة.
أما بالنسبة للفضة فاختَلف أهل العلم -رحمهم الله- في تحريم الفضة أو إباحتها للذكور، على رأيين:
الرأي الأول: أن الأصل فيها التحريم، ويُستثنى من ذلك ما ورد النص باستثنائه، وهو قول أكثر العلماء؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حرَّم الإناء من الفضة، وتسوية الشارع بين الذهب والفضة في تحريم الإناء دليلٌ على التسوية في غيره.
ونوقش: بأن تسوية الشارع بين الذهب والفضة في تحريم الأكل لا يدل على التسوية في غيره.
الرأي الثاني: أن الأصل فيها الإباحة ما لم يكن هناك إسرافٌ أو تشبهٌ بالنساء، وهذه روايةٌ عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وبه قال ابن حزمٍ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-؛ لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- «أنها اتخذت جلجلًا من فضة فيه شَعْرٌ من شَعر النَّبي -صلى الله عليه وسلم-» رواه البخاريُّ.
وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ، الْعَبُوا بِهَا لَعِبًا» رواه أحمد وأبو داود، وفيه ضعف.
ولما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذ خاتمًا من ورِقٍ، أي: من الفضة».
أما خاتم الذهب فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذه أولًا، ثم بعد ذلك ألقاه.
ولأن باب اللباس أوسع من باب الآنية.
وأيضًا: الأصل في ذلك الحل، فلم يَرد ما يدل على التحريم.
وعلى هذا: إذا أخذنا بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يكون التحلي بالفضة للذكور جائزًا.
وعلى هذا: لو أن إنسانًا لبس خاتمًا من فضةٍ أو لبس ثوبًا أزراره من فضةٍ، أو ثوبًا أو مشلحًا فيه تطريزٌ من الفضة أو نظَّارةً أو ساعةً من الفضة، فإن الأصل في ذلك الإباحة.
س: هل يُشرع للإنسان أنْ يتخذ خاتمًا أو لا يُشرع؟
ج: الحمد لله، هذا موضع خلافٍ، والأقرب في ذلك: أن هذا ليس من قبيل السنن، وإنما هو من قبيل العادات.
والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتخذ الخاتم إلا لما قيل: إن الملوك لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا.
س: مَن اتخذ خاتمًا أين يجعله؟
ج: الحمد لله، إن جعله في اليد اليمنى، بناءً على ثبوت أحاديث التختم باليمين، أو اليسرى، فلا بأس؛ لأن السنة وردت بكل ذلك، وردت في اليمنى ووردت في اليسرى، وقيل: أحاديث التختم في اليمنى لا تثبت.
والمشهور عند أكثر أهل العلم وهم المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة: أنه يجعله في يده اليسرى؛ لحديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «كان خاتم النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه، وأشار إلى الخِنْصِر من يده اليسرى» رواه مسلمٌ.
ورجحت طائفة التختم باليمين، وهو قول ابن عباسٍ، وعبد الله بن جعفر، واختاره النووي.
ومما ورد في ذلك: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذ خاتمًا من ذهب، فجعله في يمينه... فألقاه، ونهى عن التختم بالذهب» متفقٌ عليه.
وحديث أنسٍ -رضي الله عنه- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتختم في يمينه» رواه النسائي والترمذيّ في الشمائل.
وحديث عبد الله بن جعفر -رضي الله عنه-: «كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يتختم في يمينه» رواه أحمد والنسائي والترمذيّ في الشمائل.
وحديث عليٍّ -رضي الله عنه- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتختم في يمينه» رواه أبو داود والنسائي والترمذيّ في الشمائل، وصححه ابن حبان.
س: في أي الأصابع يضع الخاتم؟
ج: الحمد لله، نقول: الأصابع تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يُسن وضع الخاتم فيه، وهذا في الخِنْصِر.
لحديث أنسٍ -رضي الله عنه- في صحيح مسلمٍ قال: «كان خاتم النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه، وأشار إلى الخِنْصِر من يده اليسرى».
القسم الثـاني: مـا يُكره وضع الخـاتم فيه، وهذا هو الإصبع السبابـة والوسطى.
ويدل لهذا: حديث عليٍّ -رضي الله عنه- في صحيح مسلمٍ قال: «نهاني أن أجعل خاتمي في هذي والتي تليها»، يعني: في الوسطى والتي تليها.
القسم الثالث: ما يباح وضع الخاتم فيه، وهذا في الإصبع البِنْصِر والإبهام.
وهل هذا التقسيم خاصٌّ بالذكر، أو يشمل الأنثى؟
الظاهر: أن هذا التقسيم الذي ذكرنا لا يشمل الأنثى، فلا نقول: يكره للأنثى أن تتختم في الإصبع الوسطى، أو التي تليها وهي السبابة؛ لأن الأصل في مثل هذه الأشياء للأنثى الحل؛ ولأن الأنثى بحاجةٍ إلى أن تتزين، وقد تحتاج إلى أن تضع في كل الأصابع أو معظمها.
س: هل يجوز أن تُجعل الفضة على طرف مَقبِض السيف ونحوه؟
ج: الحمد لله، المشهور من المذهب ومذهب الشـافعيَّة: إباحة تحلية آلات الحرب كالسيف، والرمح، وأطراف السهـام، والدروع، والمِنطقة، والرانين، والخفين. ولا يباح تحلية المراكب ولباس الخيل كاللُّجُم. وزاد الشافعيَّة: تحلية المصحف.
وعند الحنفيَّة: يباح تحلية السيف، والمنطقة، والسكين، والمنسوج من الفضة قدر أربع أصابع.
وعند المالكيَّة: يباح تحلية السيف والمصحف فقط.
وعن الإمام أحمد، وبه قال شيخ الإسلام وابن حزمٍ واختاره الشوكاني والصنعاني: إباحة الفضة مطلقًا القليل والكثير دون إسرافٍ، ولا تشبهٍ بالنساء.
س: هل يجوز أنْ يُجعل ذهب على طرف مَقبِض السيف ونحوه؟
ج: الحمد لله، لا بأس أن تجعل طرف مَقبِض السيف ذهبًا.
ودليل ذلك: أن سهل بن حنيفٍ -رحمه الله- كان في سيفه مسمارٌ من ذهبٍ.
س: ما الحكم إذا اتخذ الإنسان أنفًا من ذهبٍ أو سنًّا عند الضرورة؟
ج: الحمد لله، إذا دعت الضرورة أن يتخذ الإنسان أنفًا من ذهبٍ أو سنًّا، فلا بأس بذلك.
ويدل لذلك: «أن عَرْفجة -رضي الله عنه- قُطع أنفه، فاتخذ أنفًا من فضةٍ، فأنتن عليه، فأمره النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتخذ أنفًا من ذهبٍ» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذيّ والنسائي، وإسناده حسنٌ، كما حسنه الترمذيّ -رحمه الله-، وصححه الحاكم وابن حبان.
فيستثنى من الذهب للذكور أمران:
الأمر الأول: قبيعة السيف.
الأمر الثاني: ما دعت إليه ضرورةٌ كأنفٍ ونحوه. وورد عن جمع من السلف أنهم شدوا أسنانهم بالذهب، وهذا هو المذهب.
وكذا عند المالكيَّة: يجوز تحلية السيف بالذهب فقط من آلات الحرب.
وعند الحنفيَّة: يجوز تحلية آلات الحروب مطلقًا، وبه قال شيخ الإسلام.
وعند الشافعيَّة: يحرم تحلية آلات الحرب بالذهب إلا إنْ فاجأته الحرب ولم يجد ما يقوم مقامه، فيجوز للضرورة.
س: ما حكم اليسير من الذهب في الملبوسات للرجال؟
ج: الحمد لله، اتفق الفقهاء على تحريم لباس الثوب المنسوج جميعه من خيوط الذهب للرجال.
واختلفوا في اليسير التابع على قولين:
القول الأول: التحريم، وهو قول الجمهور.
القول الثاني: الجواز إذا كان أربعة أصابع فأقل، وهو مذهب الحنفيَّة، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام.
أما أدلة من قال بالتحريم فما يلي:
أولًا: ما تقدم من الأدلة على تحريم خاتم الذهب، والخاتم يسير.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه في المفرد لا التابع.
ثانيًا: حديث عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- «أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ» رواه أبو داود.
ثالثًا: حديث أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَصْلُحُ مِنَ الذَّهَبِ شَيءٌ، ولا خَرْبَصِيصَةُ (شيء صغير مثل الشُعيرة)» رواه أحمد، وفيه ضعف.
واحتج من أجاز اليسير بما يلي:
أولًا: حديث معاوية -رضي الله عنه- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لبس الذهب إلا مقطَّعًا». رواه أحمد وأبو داود والنسائي. والمقطَّع: الشيء اليسير.
وقد ذكر الخطابي في معالم السنن أن فيه انقطاعًا، وقال المنذري في الترغيب: "لكن روى النسائي عن قتادة عن أبي شيخ أنه سمع معاوية، فذكر نحوه، وهذا متصل، وأبو شيخ ثقةٌ مشهورٌ".
ثانيًا: حديث المِسْوَرِ بن مَخْرمة -رضي الله عنه-، وفيه: «فخرج -أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم- وعليه قَباءٌ من ديباجٍ مزرَّرٌ بالذهب» رواه البخاريُّ.
ثالثًا: أن اليسير لا سرف فيه.
وعلى هذا: فالأقرب: إباحة اليسير التابع في اللباس، وتكون أدلة الإباحة مخصصةً لأدلة المنع.
وعليه: لو أن الإنسان اتخذ خاتمًا من فضة، وفيه شيءٌ من الذهب، فإنه جائزٌ. كذلك لو اتخذ ساعةً من حديدٍ وفيها شيءٌ من الذهب فإن هذا جائزٌ؛ لأنه تابعٌ. أو اتخذ عباءةً وفيها شيءٌ من خيوط الذهب فإن هذا جائزٌ، وعلى هذا فقِسْ.
س: هل يجوز للنساء لبس الذهب المحلَّق وغير المحلق؟
ج: الحمد لله، الأصل حِلُّ الذهب والفضة للنساء فيما يتعلق بالتحلي واللباس.
ويدل لهذا: حديث أبي موسى -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الذهب والحرير: «هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها».
ويشهد له: حديث عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
والإجماع قائمٌ على أن المرأة لها أن تتحلى بالذهب والفضة. قال تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الزخرف: 18.
والأحاديث كثيرةٌ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- وحديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- وغيرهما.
وسواءٌ كان هذا الذهب محلَّقًا أو غير محلَّقٍ، وقد حكي الإجماع على ذلك. ويدل لذلك:
أولًا: العمومات كما في حديث أبي موسى -رضي الله عنه-: «أُحِلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها».
ثانيًا: قال تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الزخرف: 18.
ثالثًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «شهدت العيد مع النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فأتى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- النساء، وأمرهن بالصدقة، فجعلن يُلقين الفَتَخ والخواتيم في ثوب بلالٍ» رواه البخاريُّ. وهذه أشياء محلَّقةٌ.
وقال بعض العلماء: لا يجوز المحلق، وقد ورد في ذلك أحاديث شاذةٌ حكم عليها العلماء بالشذوذ كحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في مسند أحمد وسنن أبي داود أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحَلِّقَ حَبِيبَهُ حَلْقَةً مِنْ نَارٍ، فَلْيُحَلِّقْهُ حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَوِّقَ حَبِيبَهُ طَوْقًا مِنْ نَارٍ، فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَوِّرَ حَبِيبَهُ سِوَارًا مِنْ نَارٍ، فَلْيُسَوِّرْهُ سِوَارًا مِنْ ذَهَبٍ».