الحمد لله، عند الحنفية والمالكية والشافعية: أن القراءة في صلاة الظهر بطوال المفصَّل؛ لحديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه-. لكن عند المالكية والشافعية: أقصر من الفجر إذا كان منفردًا، أو كان إمامًا، وكانت الجماعة محصورة، وآثروا التطويل.
وأمَّا صلاة العصر: فالمذهب وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية: أنه تستحبُّ القراءة فيها بأوساط المفصَّل.
وعند بعض المالكية: أنه تُستحبُّ القراءة في صلاة العصر بقصار المفصَّل؛ لحديث سليمان بن يسار السابق.
وحديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- قال: «لقد كانت صلاة الظهر تُقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الركعة الأولى مما يُطولها» رواه مسلمٌ. وهذا مما يدلُّ على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في بعض الأحيان يقرأ أكثر من أواسط المفصَّل.
وأيضًا حديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- في صحيح مسلمٍ: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأُوْلَيَين في كُلِّ ركعة قَدْرُ ثلاثين آيةً، وفي الأُخريين قَدْرُ خمس عشرة آيةً، وفي العصر في الركعتين الأُوْلَيَين، في كُلِّ ركعة قَدْرُ قراءة خمس عشرة آية، وفي الأُخريين قَدْرُ نصف ذلك». بمعنى أنه قرأ في العصر في الركعتين الأُوْلَيَين كُلُّ ركعة قدر خمس عشرة آية، وهذا قدر أواسط المفصَّل.
وقراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- بثلاثين آية في كُلِّ ركعة من صلاة الظهر يدلُّ على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بأطولَ من أواسط المفصَّل.
ولحديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الظهر بـالليل إذا يغشى، والعصر نحو ذلك» رواه مسلمٌ.
وفي لفظ عند مسلمٍ: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الظهر بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}». وعند ابن خزيمة: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الظهر والعصر بـالليل إذا يغشى، والشمس وضحاها ونحوها، ويقرأ في الصبح بأطولَ من ذلك» وإسناده صحيحٌ.
وعند الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي، وصحَّحه الحافظ ابن حجر من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، ونحوهما من السور».
وعند النسائي وابن خزيمة أيضًا بإسناد حسَّنه الحافظ من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنهم كانوا يسمعون منه النَّغَمَة في الظهر بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}».
وفي حديث بريدة عند ابن خزيمة أيضًا بإسنادٍ حسنٍ: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الظهر بـ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّت} ونحوها».
فيتلخَّص من الأحاديث المرفوعة: أنه يقرأ في الظهر بأواسط المفصَّل أحيانًا، وأحيانًا يزيد النبي -صلى الله عليه وسلم- على أواسط المفصَّل.
وأمَّا الآثار عن الصحابة: فعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه قرأ في الظهر بسورة مريم» رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيحٌ.
«وقرأ ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- في الظهر بسورة طه» رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيحٌ.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه كان يقرأ في الظهر: {الَّذِينَ كَفَرُوا}، و{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ}» رواه عبد الرزاق.
وروى الطحاوي «أن ابن عمر قرأ في الركعة الأولى من الظهر بسورة ق، وفي الثانية بـالذاريات» وإسناده صحيحٌ.
وورد عن أنس في الظهـر والعصر «أنه قرأ بـسبح» رواه ابن أبي شيبـة والطبراني.
فالخلاصة: أن العصر يقرأ فيها بأواسط المفصَّل.
وأمَّا العشاء فقد كان يقرأ بأواسط المفصَّل، وهو المذهب ومذهب الحنفية والمـالكية والشـافعية: كما جاء في حـديث سليمـان بن يسـار: «وفي العشـاء بأواسطه».
وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ في العشـاء بـ{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّت}».
وحديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ في العشاء بالتين والزيتون، لكن في السفر» متفقٌ عليه.
وروى بريدة: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة العشاء بـالشمس وضحاها وأشباهها من السور» رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسَّنه.
وحديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- لَمَّا أمَّ معاذٌ -رضي الله عنه- قومه أرشده النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى» رواه البخاري. وفي البخاري أيضًا: «أمره بسورتين من أوسط المفصَّل». وفي صحيح مسلمٍ: «اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى». وفي صحيح ابن خزيمة: «اقْرَأْ سُورَةَ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ». وفي سنن البيهقي: «اقْرَأْ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَنَحْوِهَا». فهذه الروايات تكاد تُجمِعَ على أواسط المفصَّل بالنسبة لصلاة العشاء.
وورد عن عمر -رضي الله عنه-: «أنه قرأ إذا السماء انشقت» رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ.
وورد عن ابن عمر -رضي الله عنه-: «أنه قرأ بـمحمد والفتح» رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ.
وورد عن عمرَ -رضي الله عنه- أيضًا: «أنه قرأ بـيوسف» رواه عبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ.
وورد عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن ابن مسعودٍ صلَّى بهم العشاء، فقرأ بأربعين من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصَّل" رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وإسناده صحيح.
والخلاصة: أن السُّنَّة في صلاة العشاء أن تكون القراءة فيها من أواسط المفصَّل، كما في الأحاديث السابقة، وإن قرأ أحيانًا ما ورد عن الصحابة من قراءة: سورة محمد، والفتح، ويوسف، وأربعين من الأنفال، فهذه ثابتةٌ عن الصحابة -رضي الله عنهم-.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]
هل انتفعت بهذه الإجابة؟