الحمد لله، يقول الإمام والمنفرد: "سمع الله لمن حمده" أي: يقولان ذلك حال الرفع، وكذا تكبيرات الانتقال تُقال حال الانتقال؛ لِمَا روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة يُكبِّر حين يقوم، ثم يُكبِّر حين يركع، ثم يقول: سَمِعَ الله لمن حمده، حين يرفع صُلبَه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربَّنا ولك الحمد» متفقٌ عليه.
فالإمام والمنفرد يجمعان بين التسميع والتحميد، وأمَّا بالنسبة للمأموم فإنه يقتصر على التحميد (ربنا لك الحمد أو ربنا ولك الحمد) .
ومعنى: "سمع الله لمن حمده" أي: استجابَ الله لِمَن حَمِدَه.
"وبعد قيامهما (الإمام والمنفرد): ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" أي: إذا قام الإمام والمنفرد، فيستحبُّ لهما أن يأتيا بهذا الذِّكْر.
وإكمال هذا الذِّكْر هو: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»، وهذا في صحيح مسلمٍ من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-.
والتحميد مما ورد على وجوهٍ متنوعةٍ:
الأول: الجمع بين «اللهم» و«الواو»، أي: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» أخرجه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
الثاني: حذف «الواو» فقط، أي: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» أخرجه البخاري ومسلمٍ عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
الثالث: حذف «اللهم» فقط، أي: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» رواه البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها-.
الرابع: حذف «اللهم» و«الواو»، أي: «رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ويقول أيضًا: «ربَّنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، وهذا في صحيح البخاري.
وأيضًا في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في قيام الليل: «لربي الحمد».
وهذا يستفيد منه المصلي إذا أطال الإمام فيقول هذا الذِّكْر ويكرِّره، كما في صلاة الكسوف، أو في صلاة الليل، والصحيح أن الرفع من الركوع يُشرع فيه الإطالة كما يُشرع في الركوع.
معنى قوله: «مِلْءَ السماءِ»: أن الله تعالى محمودٌ على كُلِّ مخلوق يخلقه، وعلى كُلِّ فعل يفعله، ومعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كُلَّها من خلق الله، فيكون الحمد حينئذٍ مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن المخلوقات تملأ السماوات والأرض.
"والمأموم في رفعه يقول: ربَّنا ولَك الحمد، فقط" أي: أنه لا يقول مثل الإمام والمنفرد: "ربَّنا ولك الحمد مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما شئت من شيء بعد"، وإنما يقول: "ربَّنا ولك الحمد" فقط.
وهذا هو المذهب، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وعند أبي حنفية ومالك: حتى الإمام والمنفرد لا يزيد؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهِ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» رواه البخاري ومسلمٌ.
وأُجيب عنه: بأنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فقولوا: ربَّنا ولك الحمد» مُعادِلٌ لقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ويبقى باقي الذِّكْر مشروعًا في حقِّ الجميع؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري. ولِمَا روى رفاعة بن رافع -رضي الله عنه- قال: «كنا نُصلي وراء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلَمَّا رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربَّنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلمَّا انصرف قال: مَنِ المُتَكَلِّمُ؟ قال: أنا، قال: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» رواه البخاري.
الرأي الثاني: مذهب الشافعي، وهو رواية عن أحمد؛ اختارها شيخ الإسلام: أن إطالة الذِّكْر مشروعةٌ في هذا الموضع للإمام والمنفرد والمأموم.
الراجح: هو الرأي الثاني؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
وسيأتي إن شاء الله في الواجبات: هل يجمع المأموم بين التسميع والتحميد كالإمام والمنفرد أو لا؟
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]
هل انتفعت بهذه الإجابة؟