الحمد لله، الأوَّل: القيام واجبٌ باتفاق الأئمة.
ويدلُّ لذلك: ما ورد من أدلة فرضية القيام، كقول الله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}[البقرة:238]، وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصة المسيء صلاته أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رواه البخاريُّ.
قال صاحب الزاد: "وتكبيرات أربعٌ" هذا الركن الثاني: يكبِّر أربع تكبيرات، وهذا متفقٌ عليه، لكن هل يزيد على هذه التكبيرات أو لا يزيد؟
كلام صاحب الزاد -رحمه الله- أنه لا يزيد على هذه التكبيرات، وهذا قول جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
قالوا: بأن ما زاد على هذه التكبيرات منسوخٌ؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-كبَّر على النجاشي أربع تكبيرات، ولم يزد على ذلك.
الرأي الثاني: روايةٌ عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه يكبِّر الخامسة.
الرأي الثالث: روايةٌ أخرى عن الإمام أحمد أنه يكبِّر إلى سبع.
الرأي الرابع: وقال به بعض أهل العلم: أنه يكبِّر إلى تسعٍ.
أمَّا التكبيرات الأربع: فلحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «نعى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه النجاشي، ثُمَّ تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعًا» متفقٌ عليه.
وأمَّا الخمس: فلِمَا روى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «كان زيد بن أرقم يكبِّر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبَّر على جنازة خمسًا، فسألته، فقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكبِّرها». أخرجه مسلمٌ.
وأمَّا الست والسبع فقد ورد فيها بعض الآثار الموقوفة: منها: ما رواه عبد الله بن معقل «أن علي بن أبي طالب صلّى على سهل بن حنيف فكبَّر عليه ستًا، ثُمَّ التفت إلينا، فقال: إنه بدري»، قال الشعبي: وقَدِمَ علقمة من الشام، فقال لابن مسعودٍ: إن إخوانك بالشام يكبِّرون على جنائزهم خمسًا، فلو وقَّتم لنا وقتًا نتابعكم عليه، فأطرق عبد الله ساعة، ثُمَّ قال: «انظروا جنائزكم فكبِّروا عليها ما كبَّر أئمتكم لا وقت ولا عدد» أخرجه ابن حزمٍ في «المحلى»، وقال: "وهذا إسنادٌ غاية الصحة".
وأخرج الوارد عن عليٍّ -رضي الله عنه-: الطحاوي والحاكم والبيهقي، وهو في البخاريّ في المغازي دون قوله: «ستًّا».
ومنها: ما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد: «أن عليًّا صلّى على أبي قتادة فكبَّر عليه سبعًا، وكان بدريًا» أخرجه الطحاوي والبيهقي، وصحَّحه الألباني.
وعلى هذا نقول: الإمام يكبِّر أربع تكبيرات، وأحيانًا يزيد خامسةً، وأحيانًا يزيد السادسة والسابعة، وإن خصَّص هذه الزيادة لمن له قَدْرٌ فهذا أحسن؛ لأن عليًّا -رضي الله عنه- لَمَّا كبَّر على سهل بن حنيف -رضي الله عنه- قال: "إنه بدري"؛ مما يدلُّ على أنه لَمَّا اختصَّ بهذه المنقبة وهذه الفضيلة اختصَّ بزيادة التكبير.
قال صاحب الزاد: "والفاتحة" هذا الثالث، المذهب وهو مذهب الشافعيَّة: أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ركنٌ من أركانها، إلا أن الشافعيَّة يرون أن الأفضل قراءتُها بعد التكبيرة الأولى، وله قراءتها بعد أيِّ تكبيرةٍ، والحنابلة قالوا: يجب أن تكون قراءتها بعد التكبيرة الأولى.
لحديث أبي أمامة بن سهل عن رجل من أصحاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وحديث عبادة -رضي الله عنه-: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» متفقٌ عليه.
ولحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: «صليت خلف ابن عباسٍ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: ليعلموا أنها سُنَّةٌ» رواه البخاريُّ؛ وفي روايةٍ: «فقلت: تقرأ، قال: نعم، إنه حقٌّ وسُنَّة» رواه النسائي والحاكم والبيهقي.
وما ورد عن أبي أمامة بن سهل أنه قال: «السُّنَّة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأُمِّ القرآن مخافتةً، ثُمَّ يكبِّر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة» رواه النسائي، وقال ابن حجر: "إسناده صحيحٌ".
وعند الحنفيَّة، والمالكيَّة: أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة غيرُ مشروعةٍ مطلقًا؛ إلا أن الحنفيَّة قالوا: إن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بنية التلاوة مكروهةٌ كراهة تحريم، أمَّا قراءتها بنية الدعاء فجائزةٌ. والمالكيَّة يقولون: بكراهة قراءتها كراهة تنزيه إلا أن يقصد الخروج من الخلاف؛ لِمَا ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنه كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة» رواه مالك في الموطأ، وإسناده صحيحٌ.
وفي رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة: أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سُنَّةٌ.
قال صاحب الزاد: "والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-" وهذا الرابع، وهو المذهب ومذهب الشافعية، لحديث أبي أمامة بن سهل عن رجلٍ من أصحاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم-.
وعند الحنفيَّة، والمالكيَّة: عدم وجوبها؛ إذ الفعل لا يدلُّ على الوجوب.
قال صاحب الزاد: "ودعوة للميت" وهذا الخامس، وهو واجبٌ بالاتفاق؛ لِمَا ورد من حديث أبي أمامة بن سهل عن رجلٍ من أصحاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وأيضًا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ». ولأن هذه الصلاة شفاعةٌ للميت مقصود بها الدعاء له.
قال صاحب الزاد: "والسلام" هذا السادس، وبه قال جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
الرأي الثاني: قول الحنفيَّة: وجوب السلام، وعدم ركنيته.
والصواب في ذلك: أنه ركنٌ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عليٍّ -رضي الله عنه-: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»؛ ولِمَا روى أبو أمامة بن سهل قال: «السُّنَّة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأُمِّ القرآن مخافتةً، ثُمَّ يكبِّر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة» أخرجه النسائي، وصحَّحه الحافظ في «الفتح»، ولحديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- في صفة الصلاة.