الحمد لله، أركان الخطبة ستة على المذهب:
الأول: حمد الله.
الثاني: الصلاة على النَّبي -صلى الله عليه وسلم-.
الثالث: الوصية بتقوى الله تعالى.
الرابع: قراءة آية.
الخامس: الموالاة بين الخطبتين والصلاة.
السادس: الجهر بحيث يسمع العدد المعتبر.
ويقولون: لا بُدَّ من هذه الأركان في كُلِّ خطبةٍ.
وأمَّا بالنسبة للشروط فخمسةٌ:
الأول: الوقت: فلا بُدَّ أن تكون بعد دخول الوقت.
الثاني: النِّيَّة.
الثالث: وقوع الخطبتين في الحضر.
الرابع: حضور العدد المعتبر.
الخامس: أن تكون الخطبتان ممن تَصِحُّ إمامته.
وعند الشافعيَّة: لا تحصل إلا بتوفُّر أركانٍ أربعةٍ: حمد الله تعالى، والصلاة على النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وقراءة آيةٍ من كتاب الله تعالى، والوصية بتقوى الله تعالى.
ويدلُّ لذلك: ما رواه جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «كانت صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قصدًا، وخطبته قصدًا، يقرأ آياتٍ من القرآن، ويُذكِّر الناس» رواه مسلمٌ.
ولفِعْلِ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في خُطبته، وهو بيانٌ لأمرٍ واجبٍ، وهو الذِّكْر المأمور بالسعي إليه.
وعند المالكيَّة: ليس لها أركانٌ، بل تحصل بما يقع عليه اسم الخُطبة عرفًا؛ لأنه إذا وجب اسم الخُطبة وجب الرجوع إلى العادة والعُرف.
وعند الحنفيَّة: ليس لها أركان، بل تحصل بذِكْر الله تعالى على قصد الخُطبة، قلَّ الذِّكْر أو كثر، حتى لو سبَّح أو هلَّل أو حمِد الله تعالى أجزأ؛ لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]، ولهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله-: "يجزئ أن يخطب بتسبيحة". أي: لو قال: سبحان الله كفى ذلك.
والصواب في هذه المسألة: أنه لا إفراطَ ولا تفريطَ.
فنقول: لا بُدَّ من الموعظة التي تؤثِّر في القلوب وتُحقِّقُ المقصودَ من خُطبة الجمعة، فلا بُدَّ أن تشتملَ على موعظةٍ وفائدةٍ تعالج قضايا الناس وأحوالهم وما يحتاجون إليه لمعرفة الدِّين من الحلال والحرام، وهذا هو ركن الخطبة الأساسي.
الركن الأول: أن يقول: الحمد لله، أو ﺇن الحمد لله ونحو ذلك، قالوا: ولا يشترط أن يبدأ الخُطبة بحمد الله، وﺇنما يُستحبُّ ذلك، والبِداءة بحمد الله تعالى هو هدي النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، كما ذكر شيخ الإسلام وابن القيم -رحمه الله-: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يخطب خُطبة إلا افتتحها بحمد الله.
فالمذهب، ومذهب الشافعيَّة: أن حمد الله ركنٌ، فلا تَصِحُّ الخُطبة إلا به؛ لحديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كانت خُطبة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة يحمد الله، ويُثني عليه» رواه مسلمٌ.
وعند الحنفيَّة، والمالكيَّة: سُنَّةٌ؛ لعدم الدليل.
الركن الثاني: "الصلاة على محمد -صلى الله عليه وسلم-" هذا الركن الثاني على المذهب؛ لأن كُلَّ عبادةٍ افتقرت إلى ذِكْر الله تعالى افتقرت إلى ذِكْر رسوله -صلى الله عليه وسلم- كالأذان.
وهذا فيه نظرٌ، فلا يُسلَّم أن كُلَّ عبادة افتقرت إلى ذِكْر الله تعالى افتقرت إلى ذِكْر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فالذبح مثلًا قربةٌ وعبادةٌ يفتقر إلى ذِكْر الله تعالى، ومع ذلك لا يَفتقر إلى ذِكْر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة.
وعلى المذهب يُشترط ذِكْرُ اسمه، أي: النَّبي -صلى الله عليه وسلم-.
واختار المجد: يصلي على النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أو يشهد أنه عبد الله ورسوله، فالواجب عنده ذِكْر الرسول لا لفظ الصلاة.
الركن الثالث: "وقراءة آية" أي: لا بُدَّ من قراءة آيةٍ، وهذا هو الركن الثالث، وهذا هو المذهب، ومذهب الشافعيَّة.
وأقلُّ القراءة آية، سواءٌ كانت طويلةً أو قصيرةً؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقتصر في قراءته في خُطبة الجمعة على أقلَّ من آيةٍ.
وعند بعض الحنابلة: يجزئ ما دون آيةٍ إذا استقلَّ بمعنًى؛ لأن ما لم يستقلْ بمعنًى لا يحصلُ به المقصود من القراءة.
وعند الحنفيَّة والمالكيَّة: القراءة في خطبة الجمعة سُنَّةٌ.
واستدلَّ الحنابلة والشـافعيَّة: بما ورد من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-، وبحديث عَمْرةَ بنت عبد الرحمن -رضي الله عنها- عن أختها -رضي الله عنها- قالت: «أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد} من فِيْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كُلِّ جمعة» رواه مسلمٌ.
ولأن الخطبة فرضٌ في الجمعة، فتجب فيها قراءة القرآن كالصلاة.
واستدلَّ الحنفيَّة والمالكيَّة: بقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]، وهذا مطلق عن قيد القراءة.
والأقرب: عدم الوجوب.
الركن الرابع: "والوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ تعالى" هذا هو الركن الرابع، وهو المذهب، ولا يتعين لفظها، أي: الوصية، وأقلُّها: اتقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}[النساء:131].
وعند الشافعيَّة: أن الموعظة ركنٌ، ولا يتعيّن لفظ الوصية بتقوى الله.
وفي وجه عند الشافعيَّة: يتعيّن لفظ الوصية بتقوى الله؛ لِمَا رواه جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويُذكر الناس». ولأن المقصود من خُطبة الجمعة الموعظة، فلا يجوز الإخلال بها.
وعند الحنفيَّة، والمالكيَّة: سُنَّة؛ لأن المطلوب للجمعة هو الخُطبة، واسم الخُطبة يقع على الكلام المجتمع، وإن لم يشتمل على الموعظة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "لا يكفي في الخُطبة ذمُّ الدنيا وذِكْرُ الموت، بل لا بُدَّ من مُسمَّى الخطبة عُرفًا".
الركن الخامس: الموالاة بين الخُطبة والصلاة: فالمذهب وهو مذهب المالكيَّة والشافعي في القول الجديد: أنها شرطٌ، فإن حصل فصلٌ طويلٌ وجب استئناف الخُطبة؛ لأن الخُطبة والصلاة في الجمعة شبيهتان بصلاة الجمع، فلم يجز التفريق بينهما.
وفي قول الشافعي في القديم، وقولٍ للحنابلة: أنها ليست شرطًا.
الركن السادس "حضور العدد المشترط" هذا أحد شروط الخطبتين، فلا بُـدَّ أن يحضر العدد المعتبر في خُطبـة الجمعـة، وهو على المذهب: أربعون، والأقرب في ذلك: أنه ثلاثة.
فالمذهب وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة: أنه يشترط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخُطبة؛ لِمَـا رواه مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قـال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- خطب بحضرة العدد.
ولأن الغرض من خُطبة الجمعة الوعظ والتذكير، وذلك ينافي كون الخطيب وحده، وعند الحنفيَّة: لا يشترط كالآذان.
وشروط الخطبتين السابقة: كالنية والوقت وحضور العدد المعتبر، ووقوع الخطبتين في الحضر، وأن تكون الخطبتان ممن تَصِحُّ إمامته، كُلُّها دلَّت لها الأدلة.
س: هل مِن شروط صحة خطبتي الجمعة: الحمد والصلاة على النبي، وقراءةُ آيةٍ، والوصيَّةُ بتقوى اللهِ؟
ج: الحمد لله، قال صاحب الزاد: "من شرط صحتها: حمد الله، والصلاة على رسول الله محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ وقراءة آية، والوصية بتقوى الله"
هذا الكلام فيه تساهل على ما هو مقرَّرٌ عند الحنابلة -رحمهم الله-؛ لأنهم لا يعتبرون الحمد والصلاة على النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وقراءة آية والوصية بتقوى الله تعالى شروطًا للخطبة، وإنما يعتبرونها أركانًا.