الحمد لله، المبتدأة: هي التي أصابها الدم أوَّل مرة، فما هو الحكم في هذه المبتدأة؟ قال صاحب الزاد: "تَجْلِسُ أقَلَّهُ، ثُمَّ تَغْتَسلُ وتُصَلِّي" وأقلُّ الحيض: يومٌ وليلة.
يعني: تأخذ أحكام الحائضات في هذه الفترة لا تصلي ولا تصوم، وبعد أن تجلس يومًا وليلةً تغتسلُ، حتى وإن كان الدم عليهـا، وتصلي، وتصوم، لكن إذا كانت متزوِّجةً لا يقربها زوجها؛ لأننا نخشى أن يكون هذا الدم الذي اغتسلت وصامت وصلَّت فيه دمَ حيضٍ، لكن تصوم وتصلي احتياطًا للعبادة، ثم إذا انقطع اغتسلت مرة ثانية.
وهذا هو المذهب؛ لأن فيه احتياطًا للعبادة؛ وذلك لجواز أن يكون المستمرُ دمَ استحاضة، والعبادة واجبةٌ في ذِمَّتها بيقين، وما زاد على أقلِّ الحيض مشكوكٌ فيه؛ فلا نسقطها بالشكِّ، وأَمْرِها بالاغتسال ثانيةً؛ لاحتمال أن يكون الدمُ الزائد على أقلِّ الحيض دمَ حيضٍ.
الرأي الثاني: تجلس من أوَّل ما ترى الحيضة إلى نهايتها، وهو مذهب الحنفية، والمشهور في مذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد؛ لقولـه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}[البقرة:222]، فعلَّق الله أحكامه على وجود هذا الأذى، فمتى وُجِدَ هذا الأذى فإن المرأة تأخذ أحكام الحيض. ولأن الظاهر أنه حيضٌ؛ لأنه الأصل، والاستحاضة دمٌ عارضٌ لمرضٍ عرضَ وعرقٍ انقطع، والأصل فيها الصحة والسلامة، وأن دمَها دمُ الجِبلَّة دون العلة؛ ولأن النساء لم يزلن يَحِضْنَ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ولم يُنقلْ أنهن كُنَّ يؤمرن في أثناء الحيضة الأولى والثانية بالاغتسال عقب يومٍ وليلةٍ، ولو فعلن ذلك لنُقل.
الرأي الثالث: تجلس من أوَّل ما ترى الحيضة إلى مقدار جلوس أمثالها من النساء، وهي روايةٌ عن الإمام مالك وأحمد؛ لأن أمرَ حيضِها موضعُ اجتهاد، بين أن يكون أقلَّ الحيض، وأكثرَه، وما بينهما، وليس الحكم بواحدٍ من هذه بأولى من الآخر، فيكون الأولى إرجاعَها إلى عادة أقرانها؛ لأن الغالب تشابه أحوالهن.
واختار شيخ الإسلام: أن المبتدأة تجلس ما تراه من الدم ما لم تَصِرْ مستحاضةً.
والطبُّ يؤكِّد على اضطراب الدورة الشهرية في بدايتها عند المبتدأة بالحيض، وعدمِ استقرارها إلا بعد مضي مُدَّة.
قال صاحب الزاد: "فإن انْقَطَعَ لِأكْثَرِهِ فَما دُونُ، اغْتَسلَتْ إذا انْقَطَع" يعني: انقطع قبل خمسة عشر يومًا؛ أي: بعد خمسة، أو ستة أيام مثلًا؛ تغتسل مرة ثانية تفعل ذلك في الشهر الأوَّل، والشهر الثاني، والشهر الثالث، ثلاثة أشهر إذا تكرَّر عليها علمنا أنه عادة، وأن هذا الدم دمُ حيضٍ، وليس دمَ فساد.
قال صاحب الزاد: "فإن تكَرَّرَ ثلاثًا فَحَيْضٌ" لأن دم الحيض لا يُحكَمُ أنه دم حيض حتى يعاودَها ثلاث مراتٍ، فإذا عاودها ثلاثًا حكمنا بأنه حيضٌ، وهذا هو المشهور من المذهب؛ لأن التكرار اُعْتُبِرَ فيه الثلاث كالمعتدة لا يُحكَمُ ببراءة ذِمَّتها من العدة بأوَّل حيضة، وكالمعتدة في الشهور، وخيار المُصرَّاة، ولأن العادة مأخوذةٌ من المعاودة، وأقلُّ المعاودة تكون ثلاث مرات.
وعند المالكية والشافعية: تثبت العادة بمرة واحدة؛ لإطلاق الأدلة دون قيد التكرار. وعند الحنفية: بمرتين.
قال صاحب الزاد: "وتَقْضِي ما وجَبَ فيه" أي: إذا حكمنا أنه حيض ترجِعُ وتقضي الواجب، كالصيام الواجب، والاعتكاف الواجب، وكذا الطواف الواجب؛ لأن الصيام والاعتكاف والطواف حالَ الحيض باطلٌ لا يَصِحُّ، فتعود وتقضيه مرةً أخرى؛ لِتَبيُّنِ فساده، أمَّا الصلاة فلا تقضيها؛ إذ لا تقضيها الحائض.
والمبتدأة لا تخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن ينقطع دمُها دون أكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا، أي: إذا كان الدم يأتيها خمسةَ أيام ثم ينقطع، ثم في الشهر الثاني أيضًا يأتيها خمسة أيام ثم ينقطع، ثم في الشهر الثالث يأتيها خمسة أيام ثم ينقطع، فإذا تكرَّر عليها ثلاث مرات عَلِمْنَا أن هذه هي عادتُها وحيضها، فيقولون: تجلس يومًا وليلة، ثم تغتسل وتفعل العبادات، ثم بعد ذلك تغتسل عند انقطاعه مرة أخرى، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقلنا: الصحيح أن المبتدأة أوَّلَ ما يأتيها الدم، فهو حيض؛ تأخذ أحكام الحائضات من حيث الصلاة، والصوم ونحو ذلك، وهو قول جمهور أهل العلم، ولا حاجةَ إلى التكرار ثلاث مرات؛ لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}[البقرة:222]، وأيضًا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة -رضي الله عنها-: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي»، فعلَّق النبي -صلى الله عليه وسلم- أحكامه على وجود هذا الأذى.
الأمر الثاني: أن تكون مستحاضةً، وهي التي تجاوز دمَها أكثرَ الحيض على المذهب، أي: استمر الدم معها حتى تجاوز خمسة عشر يومًا، فهذه مستحاضة، والحكم فيها لا يخلو من حالين:
الحال الأول: أن يكون لها تمييز، فهذه تجلس التمييزَ، ويُشترط في التمييز أن يكون صالحًا بألا ينقصَ عن أقلِّ الحيض ولا يزيد عن أكثره.
الحال الثاني: ألّا يكون لها تمييز، فهذه تجلس غالبَ الحيض ستة أيام أو سبعة تتحرى مَن يشبهها من نسائها، وتجلسه من أوَّل يوم ابتدأها الدمُ، فإن لم تعلم فمِن أوَّل شهرٍ هلاليٍّ، والصحيح: أنها تجلس أوَّل ما يصيبها الدمُ، وتأخذ أحكام الحائضات في الصلاة، والصيام، وغير ذلك من أحكام الحائضات.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟