الحمد لله، بسبب كثرة الأنوار واتساع العمران ووجود البنايات الشاهقة في المدن، أعرضوا عن العلامات الكونية الأفقية، واعتمدوا على ما يُسمَّى بالحساب والتقاويم، والساعات وما يوجد الآن من أجهزة تُحدِّد وقت الصلاة في أيِّ مدينةٍ من مدن العالم ليس لمجرد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين، بل تُحدِّده لسنواتٍ.
وقد ذكر القرافي -رحمه الله- فرقًا بين رمضان وبين الصلاة، فذكر أن الشارع تعبَّدنا في رمضان بواحدٍ من أمرين، ولم ينظر إلى الحساب:
الأمر الأول: رؤية الهلال، وهي علامةٌ كونيةٌ أفقيةٌ تُدرك للجميع.
الأمر الثاني: إكمال العدة، فإذا لم نتمكن من رؤية الهلال، فإننا نقوم بإكمال العدة ثلاثين يومًا؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ».
وأمَّا الحساب في رمضان فإن الشارع أبطله، ولم يعتبرْهُ؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»، وعقد إصبعه في الثـالثة، يعني: الشهر إمَّا أن يكون ثلاثين يومًا، وإمَّا أن يكون تسعة وعشرين يومًا.
أمَّا الحساب في أوقات الصلاة فقد اعتبره الشارع، ودليل ذلك: حديث الدجال، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر الصحابة عن مكث الدجال، فقال النواس بن سمعان -رضي الله عنه-: «أَرْبَعِينَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي هو كسَنَة، أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ». أي: نقدِّرُ اليوم الأول ثم نصلي فيه خمس صلواتٍ، ثم اليوم الثاني والثالث، وهكذا.
فكذلك في مثل هذه الأيام التي يحتاج الناس فيها إلى الحساب بسبب توسّع المدن وانتشار الأنوار.
وقد اتفق الأئمة على أن الحساب معتبرٌ في الصلاة، فإذا عرف وقت الصلاة عن طريق صناعة أو وِرْد مجرَّب فإن الإنسان لـه أن يصليَ، فهذه الآلات تورث الظن بدخول الوقت، والظن بدخول الوقت يجوز أن يُعمل به في الشريعة، ودليل ذلك: حديث أسماء -رضي الله عنها- في صحيح البخاري، قالت: «أفطرنا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم غيم، ثم طلعت الشمس». فهذا يدلُّ على أنهم بنوا على الظن، فلو بنوا على اليقين لم يكونوا ليخطئوا، فدلَّ ذلك على الاعتماد على الظن في دخول الوقت، وكذلك في خروجه.
ويدلُّ على اعتبار غلبة الظن أيضًا قول عائشة -رضي الله عنها-: «حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته».
هل انتفعت بهذه الإجابة؟