س: ما المراد بالصناديق الاستثمارية؟ وكيف تزُكَّى؟
ج: الحمد لله، في هذا مسألتان:
المسألة الأولى: المراد بصناديق الاستثمار:
صناديق الاستثمار: وعاءٌ للاستثمار، له ذمةٌ ماليةٌ مستقلةٌ، يهدف إلى تجميع الأموال واستثمارها في مجالاتٍ متعددةٍ، وتدير هذه الصناديقَ شركة استثمار.
المسألة الثانية: زكاة الصناديق الاستثمارية:
هذه الصناديق لا تخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون استثمارها في نشاطٍ معينٍ مثل: النشاط الصناعي أو الزراعي، فهذه حُكم زكاتها حكم زكاة هذا النشاط، فإن كان نشاطها صناعيًّا فإن الزكاة على صافي الأرباح "ربع العشر"، وإن كان نشاطها زراعيًّا فالزكاة زكاة زروع "العُشر أو نصف العشر" وهكذا.
الأمر الثاني: أن يكون استثمارها في النشاط التجاري بتقليب المال بالبيع والشراء، وهذا هو الغالب اليوم على الصنـاديق الاستثماريـة الموجودة في المصارف، فهذا القسم تحته فرعان:
الفرع الأول: أن يكون الاتفاق بين رب المال والقائمين على هذه الصناديق الاستثمارية هي المضاربةَ بهذا المال، أي: رب المال يودِع هذا المال في هذه الصناديق الاستثمارية على أن يعملوا ولهم جزءٌ من الربح، فهذه شركة مضاربة، فربُّ المال يزكي زكاة عروض تجارة، فينظر إذا حال الحول إلى قيمة أسهمه السوقية ويخرج ربع العشر، وإذا أعطي شيئًا من الأرباح فإنه يُخرج زكاتها مباشرة ربع العشر، وبالنسبة للقائمين على هذه الصناديق الاستثمارية، ينبني على خلاف أهل العلم -رحمهم الله- في المضارِب هل يجب عليه أن يزكي على الربح أو لا؟
القول الأول: وجوب الزكاة على العامل عند المقاسمة، وهو قول جمهور أهل العلم.
القول الثاني: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-: أنه لا يجب عليه الزكاة حتى يقبض هذا الربح، يعني: القائمون على هذه الصناديق لا تجب عليهم الزكاة حتى يقبضوا ويحول الحول على هذا الربح الذي قبضوه.
الأمر الثاني: أن تكون حقيقة العلاقة بين رب المال والقائمين على هذه الصناديق هي الوكالة، بمعنى: أن رب المال يوكِّلهم بالعمل في ماله بجزءٍ من المال.
فبالنسبة لرب المال يزكي زكاة عروض تجارةٍ، فينظر إلى قيمة الأسهم السوقية ويخرج ربع العشر وإذا قبض شيئًا من الربح أخرج ربع عشره؛ لأن الربح هذا حولُه حولُ الأصل.
أما بالنسبة للقائمين على هذه الصناديق فما يأخذونه هو أجرة على عملهم، والصحيح من أقوال أهل العلم: أن الأجرة لا تجب فيها الزكاة حتى يحول عليها الحول من حين العقد، فنقول: إذا حال الحول على هذه الأجرة من حين العقد وجبت.
س: ما هي المستغَلَّات؟ وكيف تُزكَّى؟ أرجو التفصيل في ذلك.
ج: الحمد لله، المراد بالمستغلات: هي كل أصلٍ ثابتٍ يدرُّ دخلًا متجددًا، وقد تكلم الفقهاء في الهيئات والمؤتمرات الفقهية عن زكاة المستغلات وخصوصًا فيما يتعلق بالمصانع؛ لأن المصانع تطورت سريعًا، وهي من أكبر قنوات الاستثمار في الوقت الحاضر، لضخامة رؤوس أموالها وكثرة إنتاجها، وفيها مسائل:
المسألة الأولى: زكاة أعيان المستغلات، وغلاتها:
يقصد بأعيان المستغلات: ما تحتويه هذه المصانع من آلات ومكائن، ويقصد بغلاتها: ما تنتجه هذه الأعيان. واختلف فيها العلماء -رحمهم الله- على أقوال، نقتصر منها على قولين:
القول الأول: أن الزكاة لا تجب في أعيان المستغلات، أي: ما يوجَد في هذه المصانع الضخمة من آلات ومكائن ومعدات ونحوها مما يحتاج إليها في التصنيع فهذه لا تجب الزكاة فيها، وإنما تجب الزكاة في الغلة التي ينتجها المصنع بعد أن يمضي حولٌ على إنتاجها، وهذا رأي مجمع الفقه الإسلامي.
القول الثاني: أنه تجب الزكاة في أعيان هذه المستغلات، وفي غلتها.
ولكلٍّ منهم دليلٌ:
دليل القول الأول: قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
فالأشياء التي يقتنيها المسلم لا لقصد البيع والشراء وإنما للقنية مثل الفرس يختص به للركوب، والرقيق للخدمة، والسيارة والبيت وغير ذلك، فهذه لا زكاة فيها، ومثل هذه الأشياء هذه المعدات والآلات؛ لأنه لا يراد بها البيع والشراء، وإنما تراد هذه الأشياء لما يترتب عليها من إنتاج والاستفادة منها في تصنيع هذه المواد.
وأما الغلة فإنه تجب الزكاة فيها؛ لأن حقيقة هذه الغلة أنها عروض تجارة، ولأنه لا تُراد بذاتها وإنما تُراد للبيع، فهذه الأشياء تُشترى، ثم بعد ذلك تُصنع، ثم تُدفع للبيع فهي مالٌ، والله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} المعارج: 24، والله عز وجل يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103.
ودليل القول الثاني: قول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} التوبة: 103 وهذه مالٌ.
والجواب عن هذا أن يقال: نسلّم بأنها مالٌ، لكن دل الدليل على أن هذا المال خارج من وجوب الزكاة، كالسيارة التي يملكها الإنسان للركوب، والبيت الذي يملكه للسكن.
فالصواب في ذلك: أن الزكاة إنما تجب في الغلات دون أعيان المستغلات.
وعلى هذا: نخلُص من هذه المسألة، ونقول: ما يتعلق بزكاة المصانع، ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أعيان المستغلات من آلاتٍ ونحوها، فهذه لا تجب فيها الزكاة.
القسم الثاني: ما يتعلق بالغلات التي تنتجها هذه الآلات، فتجب فيها الزكاة.
ويتبين بهذا أن المصانع تزكي هذه السلع التي بيعت وقيمتها، وحولُها كعروض التجارة حول أصلها، ويخرج ربع العشر زكاة تجارة.
وعلى هذا: يحدِّد أصحاب هذه المصانع يومًا من العام يخرجون فيه الزكاة، فإذا جاء ذلك الوقت أخرج زكاة هذه السلع أو ثمنها إن كانت بيعت.