الحمد لله، عدد سَجَدات التلاوة أربع عشرة سجدة، هذا المذهب.
وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في تعداد سجود التلاوة في موضعين:
الموضع الأول: السجدة الثانية من سورة الحج.
الموضع الثاني: سجدات المفصَّل.
السجدة الأولى من سورة الحج: باتفاق الأئمة عند قوله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}[الحج:18]؛ لِمَا رواه عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها: ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان».
ولِمَا رواه نافع عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «أنه سجد في الحج سجدتين» رواه الحاكم والبيهقي في السنن. ولِمَا رواه ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «في سورة الحج سجدتان» رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق والحاكم.
وعن الإمام أحمد: ليست من عزائم السجود.
وأمَّا الثانية: فقد اختلف العلماء في عدِّها من عزائم السجود على قولين:
القول الأول: أنها من عزائم السجود، عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:17]، وبه قال مالكٌ، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة.
والقول الثاني: أنها ليست من عزائم السجود، وهو مذهب الحنفيَّة، وبه قال ابن حزم.
واحتجَّ مَنْ قال بأنها من عزائم السجود: بحديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان».
وورد ذلك عن جمعٍ من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عباسٍ -رضي الله عنهم-، كما في المستدرك، وصحَّحها الذهبي في التلخيص. وكذا ورد عن أبي الدرداء وأبي موسى عند الحاكم والبيهقي. وعن عليٍّ -رضي الله عنه- عند ابن أبي شيبة.
وروى عبدالله بن ثعلبة «أنه صلى مع عمر -رضي الله عنه- الصبح، فسجد في الحج سجدتين» رواه الطحاوي، والبيهقي، وقال: "روايةٌ صحيحةٌ موصولةٌ".
واستدلَّ مَنْ قال بأنها ليست من عزائم السجود: بأن الله تعالى قرنها بالركوع بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:17]، فدلَّ على أن المراد بها سجود الصلاة، كما في قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}[آل عمران:43].
ونوقش: بأن ذكر الركوع لا يقتضي ترك السجود.
ولوروده عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- بأنه قال في سجود الحج: «الأول عزيمة، والآخر تعليم» رواه ابن أبي شيبة والطحاوي.
ولعلَّ الأقربَ: أنها من عزائم السجود؛ لوروده عن أكثر الصحابة، وقَرْنُها بالركوع لا يلزم منه أن يكون المراد بها سجود الصلاة.
وأمَّا موضعها فعند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الحج:77].