الحمد لله، الطريق الأول: "أنْ يخْبَرَه ثِقَةٌ بِيَقِينٍ" أي: ليس عن اجتهادٍ، وإنما هو خبرٌ عن يقينٍ، بأن يقول: القِبلة ها هنا، وأنا رأيت الكعبة إلى هذه الجهة، فيؤخذ بقوله.
ومقتضى كونه ثقةً أن يكون مُكلَّفًا، أي: بالغًا عاقلًا، ولا يُشترط أن يكون ذَكَرًا أو حُرًّا، فيُفهم من هذا أنه إذا كان أنثى أو رقيقًا أنه يُقبل خبره؛ لأن هذا من باب الأخبار الدينية.
وقولنا: "ثِقَةٌ" أي: عدلٌ على المذهب، والأقرب: أن نشترط ما اشترطه القرآن، قال تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}[القصص:26] ، فإذا كان قويًّا فيما يتعلق بمعرفته بالقِبلة، وكان أمينًا لا يكذب، وليس عنده تساهل وتسرُّع فإن قولَه يُقبل.
وكونه يشترط أن يكون بيقينٍ فيه نظرٌ، والصواب أنه لو أخبره عن اجتهاد فإنه يُقبل قوله.
والمجتهد هنا: هو العارف بأدلة القِبلة، وكيفية الاستدلال بها، فإذا اجتهد شخص، ونظر إلى القطب مثلًا أو منازل الشمس، ثم أخبر هذا المجتهد شخصًا فإنه يجب أن يأخذ بقوله.
فالطريق الأول لمعرفة القِبلة: هو الإخبار، واشترط أن يكون عدلًا مُكلَّفًا وبيقين، والصواب سواء كان عن طريق اليقين أو الاجتهاد فإنه يؤخذ بخبره إذا كان قويًّا أمينًا.
الطريق الثاني مما يستدلُّ به على القِبلة: "أن يجدَ محارِيبَ إسلاميّةً"؛ لأن الاتفاق عليها مع تكرر الأعصار يدلُّ على إجماع المسلمين على العمل عليها.
وقولنا: «مَحَارِيبَ إسْلَامِيّةً» هذا يخرج محاريب النصارى، فلو كان هناك كنائس ولها محاريب إلى جهة المشرق فإننا لا نستدلُّ بها؛ لأن قوله: «إسْلَامِيّةً» يخرج الكُفَّار سواء للنصارى أو غيرها، وهذا هو المذهب.
ويؤخذ من هذا: إباحة اتخاذ المحاريب، وهو المذهب، وبه قال الحنفية.
وعن الإمام أحمد: استحبابُها، واختاره ابن عقيل والآجري وابن الجوزي.
وعند الظاهرية والحنابلة في رواية: كراهتها، وجزم السيوطي ببدعتها.
أمَّا مَن قال بكراهتها: فاستدلَّ بحديث موسى الجهني مرفوعًا: «لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ــ أَوْ قَالَ: أُمَّتِي ــ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَّخِذُوا فِي مَسَاجِدِهِمْ مَدَائِحَ كَمَدَائِحِ النَّصَارَى» رواه ابن أبي شيبة، وهو ضعيفٌ لإعضاله.
وأمَّا حـديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «اتَّـقُوا هَذِهِ الْمَذَابِحَ» يعني: المحاريب، رواه البيهقي، وهو حسنٌ، لكن المراد به صدور المجالس كما في «السلسلة الضعيفة».
وعن عبد الله بن مسعودٍ -رضي الله عنه-: «أنه كره الصلاة في المحراب، وقال: إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب» كما في مختصر زوائد مسند البزار لابن حجر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: "رجاله ثقاتٌ".
ونوقش: بأن النهي يُحمل على المحـاريب التي بهـا تشبُّهٌ بمحـاريب النصارى، وأيضًا الكراهة وردت في الصلاة فيها.
وأمَّا مَن قال بعدم الكراهة: فلأن المحراب ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو مقصودٌ لغيره، فهو وسيلةٌ، وليس غايةً، فهو كجمع المصحف، وطباعة الكتب، وغير ذلك، ولِمَا روي عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-: «أنه صلى في الطاق» رواه ابن أبي شيبة في «المصنف»، وفيه جهالة أم عمرو المرادية.
الطريق الثالث: "أن يُسْتَدَلُّ عليها في السَّفَرِ بالقُطْبِ"، وهو من العلامات الأفقية، ودليله قوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}[النحل:16]، ومن ذلك الاهتداء إلى القِبلة.
والمذهب: أنه يُستحبُّ تعلُّم أدلة القِبلة للقادر قبل دخول الوقت، أمَّا بعد دخول الوقت فيجب تعلُّم أدلة القِبلة للقادر إذا خفيت؛ لأن استقبال القبلة لا يَتمُّ إلا بمعرفة أدلة القِبلة مع قصر زمن الوقت.
وعند الشافعية: تعلُّم أدلة القِبلة فرض عينٍ على المسافر، وما عداه فهو في حقِّه فرضُ كفايةٍ؛ لعموم حاجة المسافر، وكثرة الاشتباه عليه بخلاف الحضر.
وعند المالكية: تعلُّم أدلة القِبلة فرضُ عينٍ على كُلِّ بصيرٍ؛ لأنه لا يمكنه أداء الصلاة إلا بذلك.
والقطب: بتثليث القاف هو نجمٌ خفيٌّ شماليٌّ، وحوله أنجمٌ دائرةٌ كفراشة الرحى في أحد طرفيه الجَدْي، والآخر الفرقدان، والرحى: هو رحى الطاحون الذي يُديره الماء.
الطريق الرابع: "الشَّمْسِ والقَمَرِ وَمَنَازِلِهمَا" أي: منـازل الشمس والقمر، وهي أيضًا من العلامات الأفقية، فيستدلُّ بمنازلهما، الشمس تطلع من المشرق، وتغرب بالمغرب.
الطريق الخامس: الآلات التي استجدت الآن تُحدِّد جهة القِبلة فيؤخذ بها.
والفقهاء يُجمعون على أنه لا حرجَ في الاعتماد على الآلات في تحديد القِبلة؛ لأنها تفيد الظن، وقد وُجِد ما يسمى بالبوصلة، وما يسمى بالبوصلة الإلكترونية، التي تُحدِّد الجهات، وإذا كان كذلك فإنها تُفيد الظن، والظن معتبرٌ في باب العبادات؛ لِمَا ورد من حديث أسماء -رضي الله عنها- عند البخاري.
س: كيف يُستدل بالقطب على القبلة؟
ج: الحمد لله، قالوا: إذا كان بِمصرَ فإنه يجعله على عاتقه الأيسر، وإذا كان بالشام والعراق والجزيرة فإنه يجعله وراء ظهره. قال الخلوتي:
مَنْ واجَهَ القطبَ بأرض اليمنِ
وعكسُه الشامُ وخــلفَ الأُذُنِ
يُمْنَى عِراقٍ ثم يُـسرى مصرِ
قد صحَّحوا استقبالهم في العُمْرِ
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]
هل انتفعت بهذه الإجابة؟