س: ما حكم صيام الست من شوال؟
ج: الحمد لله، حكم صيام هذه الأيام الستة: المذهب، وبه قال أكثر الحنفيَّة وهو مذهب الشافعيَّة: يُندب صيام الست من شوال؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-: «مَن صامَ رمضانَ ثم أَتْبَعَهُ سِتًّا مِن شوَّالٍ، كان كصيامِ الدَّهر» رواه مسلمٌ.
وفي حديث ثوبان -رضي الله عنه- مرفوعًا: «جعلَ اللهُ الحسنةَ بعشرٍ، فشهرٌ بعشرةِ أشهرٍ، وستَّةُ أيَّامٍ بعدَ الفطرِ تمامُ السَّنةِ» رواه النسائي في الكبرى.
وأجر صومها يحصل لمن صامها متفرقةً أو متواليةً، ومن صامها عقيب العيد أو في أثناء الشهر.
القول الثاني: يُكره صيام الست من شوالٍ، وهو مرويٌّ عن أبي حنيفة مطلقًا، وعن أبي يوسف كراهته متتابعًا، وهو مذهب المالكيَّة لكن بشروطٍ.
فيشترط عند المالكيَّة: أن يَصِلَها بالعيد، مُظهِرًا لها، مقتدًى به، معتقدًا سُنيتها، متتابعةً، فإن انتفى قيدٌ من هذه الخمسة فلا كراهة. وعلة الكراهة: خشية أن يُضاف إلى فرض رمضان.
س: هل يُستحب لمن لم يصم رمضان لعذر أن يصوم الست من شوال؟
ج: الحمد لله، المذهب، وهو ظاهر قول الشافعيَّة: من لم يصم رمضان لعذرٍ من سفرٍ أو مرضٍ أو صِغرٍ أو جنونٍ أو كفرٍ، لا يُسَنُّ له صوم ستة أيامٍ من شوال.
وحجتهم: ظاهر حديث أبي أيوب -رضي الله عنه-: «مَن صامَ رمضانَ ثم أَتْبَعَهُ سِتًّا مِن شوَّالٍ، كان كصيامِ الدَّهر» رواه مسلمٌ.
القول الثاني: أنه يشرع له صيامها، فيحصل أصل سُـنة الصوم وإن لم يحصل الثواب المذكور، وبه قال بعض الشافعيَّة.
وحجتهم: أن صوم رمضان شرط لحصول ثواب صوم الدهر، دون أصل سُنة الصوم.
وقال ابن نصر الله: "يتوجه أن يحصل فضلها لمن صامها وقضى رمضان وقد أفطره لعذر، ولعله مراد الأصحاب".
س: هل يُستحب التتابع في صيام الست من شوال؟
ج: الحمد لله، المذهب، ومذهب الحنفيَّة والشافعيَّة: يستحب التتابع إذا أفطر يوم العيد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وأتبعه».
ولئلا يعرض له ما يمنعه من صيامها إذا أخَّرها؛ ولأن المبادرة بها دليل على الرغبة في الصيام وعدم السأم منه؛ ولأن المبادرة بالخير أوْلى؛ لقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات} [البقرة: 148].
وقال بعض الحنفيَّة وبعض الحنابلة، وكذا المالكيَّة -لكن إذا انضمت إليه قيود أربعة وهي: أن يصلها بالعيد، مُظهرًا لها، مقتدًى به، معتقدًا سنيتها-: يُكره التتابع؛ لأنه قد يُفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام؛ لكثرة المداومة.
س: ما الحكم إذا خرج شوال ولم يصم الست؟
ج: الحمد لله، إذا خرج شوال ولم يصم فقيل: لا تُقضى؛ لأنها سنةٌ فات محلُّها، والشارع خصَّها بشوال، ولفوات مصلحة المبادرة المحبوبة لله تعالى.
وقيل: تُقضى إذا كان ذلك لعذرٍ من مرضٍ أو سفرٍ أو نفاسٍ؛ لقضائه -صلى الله عليه وسلم- الرواتب، والاعتكافَ قضاه في شوال، والذي يظهر أنها تُقضى بشرطين: العذر، ونية صيامها، والله أعلم.
س: هل يستحب صيام شهر الله المحرَّم كاملًا؟
ج: الحمد لله، يُستحب للمسلم أن يصوم شهر الله المحرم، وهذا من النَّفْل المقيّد.
ويدل له: ما ثبت في صحيح مسلمٍ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ، شهرُ اللهِ المحرَّمُ» أي: أفضل شهر تطوع به كاملًا بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وهذا أقرب؛ لظاهر الحديث.
وقال بعض الحنابلة: لا يصومه كاملًا؛ لكن يفطر بعض أيامه؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان» رواه مسلمٌ.
وآكد شهر الله المحرم هو اليوم العاشر، ثم التـاسع.
س: ما المراد بيوم عاشوراء؟
ج: الحمد لله، في ذلك قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو قول الجمهور.
وهذا مقتضى الاشتقاق والتسمية؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: «حين صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظُّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فإذا كان العامُ المقبلُ إنْ شاء اللهُ صُمْنَا اليومَ التَّاسِعَ، قال: فلم يأتِ العام حتى توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» رواه مسلمٌ.
وفي رواية: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لئن بَقِيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التَّاسعَ» رواه مسلمٌ.
القول الثاني: أنه اليوم التاسع من شهر الله المحرم، وهو قول الظاهرية؛ لما رواه مسلمٌ عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيتُ إلى ابن عباسٍ وهو متوسِّد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: «إذا رأيتَ هلالَ المحرَّمِ فاعْدُدْ، وأصبِحْ يومَ التَّاسعِ صائمًا، قلت: هكذا كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يصومه؟ قال: نعم» رواه مسلمٌ.
وأجاب ابن القيم: أن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- لم يجعل عاشوراء اليوم التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعدّه النَّاس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه.
س: ما هي مراتب صيام عاشوراء؟
ج: الحمد لله، مراتب صيامه أربع:
المرتبة الأولى: صيام التاسع مع العاشر، باتفاق الأئمة يُستحب صيام اليوم التاسع من شهر الله المحرم مع يوم عاشوراء.
المرتبة الثانية: صيام الحادي عشر مع العاشر، وفيه قولان:
القول الأول: يُندب صيام الحادي عشر إن لم يصم التاسع، وبه قال الحنفيَّة؛ لأن العلة هي مخالفة أهل الكتاب، وهي تحصل بصوم الحادي عشر إن لم يصم التاسع. وهذا أقرب.
القول الثاني: يندب صيام الحادي عشر مع العاشر مطلقًا، قال به بعض المالكيَّة وهو قول الشافعيَّة؛ لحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صوموا يومَ عاشوراءَ، وخالِفُوا فيه اليهودَ، صُومُوا قَبْلَه يومًا، أو بعدَه يومًا» رواه أحمد وابن خزيمة. قال الألباني: "إسناده ضعيفٌ؛ لسوء حفظ محمد بن أبي ليلى، وخالفه عطاء وغيره فرواه عن ابن عباسٍ موقوفًا، وسنده صحيح عند الطحاوي والبيهقي"؛ ولمخالفة اليهود، واحتياطًا لعلة نقص الشهر؛ ليكون متيقنًا من صوم اليوم التاسع والعاشر.
المرتبة الثالثة: إفراد عاشوراء بالصوم، وهو المذهب، وبه قال المالكيَّة والشافعيَّة: لا يُكره إفراد عاشوراء بالصيام؛ لعموم الأدلة على استحباب صيام يوم عاشوراء، كما في حديث أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضيةَ» رواه مسلمٌ.
القول الثاني: يكره إفراد عاشوراء بالصيام، وبه قال الحنفيَّة؛ لما روى ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لئنْ بُقِّيتُ لآمُرنَّ بصيامِ يومٍ قَبْلَه أو يومٍ بعدَهُ يومِ عاشوراءَ» رواه البيهقي في الكبرى، وهو ضعيفٌ؛ في إسناده محمد بن أبي ليلى، ومخالفٌ لما ثبت في صحيح مسلمٍ.
المرتبة الرابعة: صيام يوم قبله ويوم بعده، المذهب وهو ظاهر قول الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة: عدم استحباب هذه المرتبة.
وحجته: عدم ما يدل لهذه المرتبة من الأثر.
القول الثاني: إن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وبه قال الإمام أحمد في رواية؛ لما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ: «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» وعزاه إلى أحمد والبزار، لكنه بهذا اللفظ لا يثبت، فالذي في مسند الإمام أحمد: «صُومُوا قَبْلَهُ يومًا، أو بعْدَهُ يومًا».
س: هل يُشرع شيءٌ من الأعمال في يوم عاشوراء أو لا يُشرع؟
ج: الحمد لله، لا يشرع شيء من الأعمال بخصوصه؛ لعدم وروده، وذهب بعض العلماء إلى أنه يُستحب للإنسان أن يوسِّع على عياله في يوم عاشوراء مثلًا: في الطعام والشراب واللباس، ونحو ذلك، يُروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه قال: «بلغنا أنه من وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر سَنَتِه».
قال سفيان بن عيينة: "جرَّبناه منذ ستين عامًا فوجدناه صحيحًا"، وأجاب شيخ الإسلام: بأن إبراهيم بن محمد كان من أهل الكوفة، ولم يَذكر ممن سمع هذا، ولا عمن بلغه، فلعل الذي قال هذا من أهل البدع الذين يُبغضون عليًّا وأصحابه، ويريدون أن يقابلوا الرافضة بالكذب مقابلة الفاسد بالفاسد، والبدعة بالبدعة.
وأما قول ابن عيينة فإنه لا حجة فيه.