الحمد لله، الصفة الثانية من صفات السجود الكامل:
أن يجافي عضديه عن جنبيه.
ودليل ذلك: حديث عبد الله بن بُحينة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُجنِّح في سجوده حتى يُرى وَضَحُ إبْطيه» رواه البخاري ومسلمٌ. ولحديث ميمونة -رضي الله عنه- قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد لو شاءت بَهْمَةٌ أن تمر بين يديه لمرَّت» أخرجه مسلمٌ.
وعن آدم بن علي قال: «رآني ابن عمر وأنا أُصلي لا أتجافى عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لا تَبْسُطْ بَسْطَ السَّبُع، وادَّعِم على راحتيك، وأَبْد ضَبْعَيْك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كُلُّ عضوٍ منك» أخرجه عبد الرزاق في المصنف. وإسناده صحيحٌ.
وأن يجافي بطنه عن فخذيه، ويدلُّ لذلك:
أولًا: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلاَ يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ»، وهذا في الصحيحين.
والاعتـدال في السجود ألّا يَضُمَّ الإنسـان نفسه، أي: لا ينكمش بحيث يكون بَطنُه على شيء من فخذيه، وأيضًا لا يمتدُّ جهة القبلة؛ لأن بعض الناس يبالغ في الامتداد.
ثانيًا: حديث أبي حميدٍ -رضي الله عنه- في سنن أبي داود: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سجد فرّج بين فخذيه، غيرَ حاملٍ بَطنَه على شيء من فخذيه».
ولِمَا رواه أحمد عن وائل الحضرمي أنه «رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى فكبَّر، فرفع يديه، فلمَّا ركع رفع يديه، فلمَّا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده» حسن.
وقوله: "وخوَّى في سجوده" خَوَّى البعير تَخْوِيَةً: إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في سجوده.
ويفرق بين ركبتيه، وهو ما نصَّ عليـه المـالكية، والشـافعية، والحنابلة، ودليله: ما ورد من حديث أبي حميـدٍ -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سجد فرَّج فخذيه غيرَ حامل بَطنَه على شيء من فخذيه». هذه اللفظة من حديث أبي حميد انفرد بها عبد الله بن عيسى، ولأن هذا مقتضى الطبيعة.
وأمَّا الكفان: فيضعهما على الأرض مبسوطتين، مضمومتي الأصابع، مستقبلًا بها القبلة، باتفاق الأئمة؛ لِمَا روى وائل بن حجرٍ -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ركع فرَّج أصابعه، وإذا سجد ضمَّ أصابعه» رواه ابن خزيمة وابن حبان. وفي إسناده هشيمٌ وهو مدلّسٌ، وقد عنعن، ولم يسمع هشيم من عاصم.
وروى البيهقي عن البراء -رضي الله عنه- قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ركع بسط ظهره، وإذا سجد وجَّه أصابعه قِبَل القبلة فتفلَّج». تفرَّد به الفزاري أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث.
وقـال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إذا سجـد أحدكم فليستقبل القبلة بيديـه» رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيحٌ.
وأمَّا موضع الكفين: فالحنفية والمالكية: حذاء الأذنين والوجهُ بينهما.
وعند الشافعية والحنابلة: حذو المنكبين.
والأقرب أن فيهما سَنَتَينِ:
الأولى: أن تكونا حذو المنكبين؛ لحديث أبي حميد -رضي الله عنه- وفيه: «ووضع كفيه حذو منكبيه» رواه أبو داود والترمذي وصحَّحه. قوله: "ووضع كفيه حذو منكبيه" انفرد به فليح، وهو صدوق كثير الخطأ.
الثانية: أن تكون حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلمَّا سجد سجد بين كفيه» رواه مسلمٌ.
وأمَّا بالنسبة للقدمين: فالمذهب ومذهب الشافعية: يُفرِّج بين قدميه؛ لِمَا ورد في حديث أبي حميد -رضي الله عنه-: «أنه -صلى الله عليه وسلم- فرَّج بين فخذيه»، والقدمان تابعتان للركبتين والفخذين.
وفي قول عند الحنابلة وإليه ذهب بعض الحنفية: يَضُمُّ قدميه؛ لِمَا في صحيح مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- حين فقدت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فوقعت يدها على قدميه وهو ساجد. وقد جاء في صحيح ابن خزيمة: «فكان ساجدًا راصًّا عقبيه».
فحديث ابن خزيمة أصله في صحيح مسلم دون زيادة «راصًّا عقبيه»، وهي لفظة شاذة.
وأصابع رجليه يوجِّهُها إلى القبلة مع نصب القدمين باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي حميدٍ -رضي الله عنه- أنه قال: أنا أحفظُكم لصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيه: «فإذا سجد وضع يديه غيرَ مفترِشٍ ولا قابِضِهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» رواه البخاري.