الثلاثاء 2 ذو الحجة 1447 هـ

تاريخ النشر : 08-12-2025

زكاة المال المؤجَّل والمفقود والمحجور عليه ومال الضَّمار ومال الأسير أو السجين

الجواب

س: ما كيفية زكاة السِّلع المباعة بثمن مؤجل؟
ج: الحمد لله، زكاة السلع المباعة بثمن مؤجل: في السَّنة الأولى: يُخرج زكاة رأس المال وربح السنة الأولى، وفي السنة الثانية يخرج زكاةَ ما تبقى من رأس المال وزكاة ربح هذه السنة، وهكذا في بقية السنوات يُخرج في كل سنةٍ زكاةَ ما تبقى من رأس المال وزكاة ربح السنة التي هو في نهايتها فقط.
أما أرباحُ السنوات المستقبَلة دون السنة التي هو فيها فلا يجب إخراج زكاتها؛ لأنه نماء ماله في زمن المستقبل، والأصل أن نماء المال إنما يجب بعد حصوله؛ ولأن هذه الأرباح غير مقطوعٍ بحصولها، كإفلاس المدين أو سجنه أو هروبه ونحو ذلك.
وإن شَقَّ معرفة رأس المال المتبقي، أو شق معرفة ربح السنة التي هو فيها، فإنه يلجأ إلى تقويم الدين المتبقي لسلعةٍ حاضرةٍ، ثم تزكى قيمة هذه السلعة الحالّة؛ فلو كان دَينه المتبقي عند المدين مائة ألفٍ تؤدَّى أقساطًا كل شهرٍ ألف ريالٍ، نظر ما هي السلعة التي تساوي مائة ألف ريالٍ مؤجَّلة كل شهرٍ ألف ريال، ثم ينظر كم تساوي هذه السلعة نقدًا؟ ثم تُخرج زكاة هذه السلعة نقدًا.

س: ما هو الضمار؟ وهل فيه زكاة؟
ج: الحمد لله، الضَّمار في اللغة يُطلق على معانٍ، منها: النسيئة، وخلاف العيان، وقيل: أصل الضمار: ما حُبس عن صاحبه ظلمًا بغير الحق. والضمار أيضًا يُطلق على الغائب الذي لا يُرجى.
وفي الاصطلاح: الضمار المال الذي لا يتمكن صاحبه من استنمائه؛ لزوال يده عنه، وانقطاع أمله في عَوده.
والأموال التي تدخل في حكم الضمار:
نص الفقهاء على أنواع من الأموال تدخل في حكم المال الضمار، ومنها:
1- المال المغصوب.
2- المال الضال والمفقود.
3- إذا ذهب العدو بالمال.
4- المال الساقط في البحر.
5- الدَّين المجحود.
6- الوديعة المجحودة.
7- العبد الآبق.
8- المال الذي أخذه السلطان مُصادرة.
9- المال المدفون في الصحراء.
10 ــ الهبة بعد التسليم إذا رجع فيها.
11 ــ المسروق الذي لا يُدرى مَن سرقه.
واختلف العلماء في حكم زكاة مال الضمار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنَّ على مالكه أن يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، وهو المشهور من مذهب الإمام مالكٍ، وبه قال الأوزاعي، والحسن البصري.
واستدلوا: بما روى مالكٌ في الموطأ عن أيوب السختياني أن عمر بن عبد العزيز كتب في مال قبَضَه بعض الولاة ظُلمًا يأمر بردِّه إلى أهله، وتؤخذ زكاته لما مضى من السنين. ثم عقَّب بعد ذلك بكتاب: "ألّا تؤخذ منه إلا زكاةٌ واحدةٌ؛ فإنه كان ضِمارًا".
القول الثـاني: أنه لا تجب الزكاة في المال الضمار، ويَستقبل مالِكُه به حولًا من حين قَبْضِه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في القديم وأحمد في رواية.
روي عن عليٍّ -رضي الله عنه- أنه قال: "لا زكاة في مال الضِّمار"، وقال ابن حجر: "لم أجده عن عليٍّ"؛ ولعدم تحقق الملك التام؛ لخروجه عن يد صاحبه وتصرفه، كالمال الذي في يد مكاتبه.
القول الثالث: أنه تجب فيه الزكاة إذا قبضه لما مضى من السنين. وهو مذهب مالكٍ في الثمرة المغصوبة، ومذهب الشافعيَّة والحنابلة، وبه قال الثوري وزُفَر، لكن لو تَلِفَ المال، أو ذهب ولم يعد، سقطت الزكاة؛ لما يلي:
أولًا: عموم أدلة وجوب الزكاة، وهذه عامّة في جميع الأموال.
ونوقش: بأنه مخصوصٌ بمال الضمار؛ لما تقدم من أدلة القول الأول.
ثانيًا: ما ورد: أن عليًّا -رضي الله عنه- سُئل عن الرجل يكون له الدين المظنون أيزكيه؟ فقال: "إن كان صادقًا فليزكِّه لما مضى إذا قبضه".
ثالثًا: ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "كل دَين لك ترجو أخذه فإن عليك زكاته كلما حال الحول".
ونوقش: بأن هذه الآثار ليست صريحةً في مال الضمار.
رابعًا: أن جنس المال إذا كان ناميًا وجبت فيه الزكاة وإن كان النماء مفقودًا، فمن حبس ماله عن طلب النماء حتى عدم النسل وأرباح التجارات لم تسقط عنه الزكاة.
والأحوط: أنه تجب فيه الزكاة مرةً واحدةً إذا قبضه لما مضى؛ قياسًا على الثمرة المعدومة؛ إذ تجب فيها الزكاة عند الحصاد. وتُحمل أدلة الموجِبين على سنةٍ واحدةٍ، وأدلة عدم الموجِبين لما مضى من السنوات. 

س: هل في مال المحجُور عليه لسفهٍ زكاة ؟
ج: الحمد لله، أولًا: زكاة مال المحجور عليه لسفهٍ:
تجب الزكاة في مال المحجور عليه لسفهٍ بالاتفاق؛ لما ورد من الأدلة على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون.
ثانيًا: زكاة مال المحجور عليه لفَلَسٍ:
مذهب أبي حنيفة أنه لا يُحجر على الحر البالغ لأجْلِ الدين أو الفَلَس؛ ولذلك لا يتأتى له قولٌ في هذه المسألة.
فلو حُجر على رجلٍ لمصلحة غيره من الغرماء، وعنده مال تجب عليه الزكاة في مثله، وحال عليه الحول وهو في الحَجْرِ، ففي وجوب زكاة هذا المال أقوال:
القول الأول: لا تجب الزكاة في مال المحجور عليه لفلسٍ، وهذا مذهب الحنابلة.
وحُجَّته: أنه ممنوعٌ من التصرف في ماله حُكمًا، ولا يحتمل المواساة.
القول الثاني: تجب الزكاة على المحجور عليه، فإن عاد له المال بإبراءٍ أو نحوه أخرج لما مضى وإلا فلا، وهذا إن لم يُعيّن القاضي لكل غريم عينًا، ويُمَكّنه من أخذها على ما يقتضيه التقسيط، فتجب الزكاة، فإنْ فعل ولم يتفق الأخذ حتى حال الحول، فلا زكاة فيه عليهم؛ لعدم ملكهم، ولا على المالك لضعف ملكه، وكونهم أحق به، لكن لا يؤديها حتى ينتهي الحَجر. وهذا مذهب الشافعيَّة.
وحجته: القيـاس على المغصوب، فتجب زكاته ولا يجب الإخراج إلا عند التمكن؛ لأن الحَجر لما منعه من التصرف كان حـائلًا بينه وبين مالـه كالمغصوب.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بالأصل المقيس عليه؛ فإن من العلماء من يقول بعدم وجوب الزكاة في المال المغصوب على المغصوب منه.
والراجح والله أعلم: عدم وجوب الزكاة في مال المحجور عليه ما لم يقبضه؛ لعدم الْمُلْكِ التام، لكن إن قبضه زكَّاه مرةً واحدةً.

س: هل تجب الزكاة في مال الأسير والسجين؟
ج: الحمد لله، من أُسر أو سُجن وكان له مالٌ فحال الحول على هذا المال، ففي وجوب الزكاة عليه أقوال:
القول الأول: تجب الزكاة على الأسير، وبه قال بعض المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة؛ لعموم أدلة وجوب الزكاة.
وعند الشـافعيَّة: لا يجب الإخراج من مالهما، بل يتوقف مخـافة حدوث الموت.
القول الثاني: تسقط الزكاة في حقه من أمواله الباطنة، أما المال الظاهر فالفقد والأسر لا يُسقطان زكاته، وهذا مذهب المالكيَّة.
تسقط الزكاة في حقه من أمواله الباطنة؛ لأنه بذلك يكون مغلوبًا على عدم التنمية، فيكون ماله حينئذٍ كالمال الضائع، ولذا يزكِّيها إذا أُطْلِقَت لسنةٍ واحدةٍ كالأموال الضائعة.
ويمكن أن يُجاب عنه: بأنه قادرٌ على تنميته بالوكالة، فلا يتحقق في حقه المنع من التصرف.
أما المال الظاهر فالفقد والأَسر لا يُسقطان زكاته؛ لأنهما محمولان على الحياة، ويجوز أخذ الزكاة من مالهما الظاهر وتجزئ، ولا يضر عدم النية؛ لأن نية الْمُخرج تقوم مقام نيته.
والراجح: وجوب الزكاة على الأسير والمسجون ونحوهما؛ لتحقق شروط وجوب الزكاة عليهم، وضعف حجة من قال بخلافه.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟