الجمعة 22 شوّال 1447 هـ

تاريخ النشر : 13-12-2025

زكاة الحلي المعد للاستعمال

الجواب

الحمد لله، الحليّ المعد للاستعمال سواءٌ كان للذكر أو الأنثى لا زكاة فيه.
فإذا كان على المرأة خواتم أو أساور أو قلائد ونحو ذلك تستعملها وتتجمل بها، فلا زكاة فيها، وهذا قول جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
وهذه المسألة كثر كلام أهل العلم -رحمهم الله- فيها، وأُلفت فيها مؤلفاتٌ مستقلةٌ.
والحليّ لا يخلو من أمور:
الأمر الأول: الحليّ المحرمٌ، وهذا تجب فيه الزكاة بالاتفاق. مثل: خاتم الذهب للرجل، وحلي المرأة المتخذ على شكل تمثال، ونحو ذلك.
الأمر الثاني: الحليّ المتخذ للتجارة. مثاله: أصحاب تجارة الذهب، فتجب فيه الزكاة بالاتفاق؛ إذ هو عروض تجارة، فتشترط فيه شروط عروض التجارة؛ لعموم أدلة وجوب الزكاة في النقدين والعروض.
وإن كان الحليّ للتجارة فالاعتبار بقيمته؛ لأنه مال تجارة، أو كان الحليّ مباح الصنعة ووجبت زكاته لعدم استعماله، أو لعدم إعارته، فالاعتبار في الإخراج منه بقيمته؛ لأنه لو أخرج ربع العشر لفاتت الصنعة المتقوِّمة شرعًا على الفقراء، وهو ممتنع.
الأمر الثالث: الحليّ المتخذ للنفقة.
مثاله: اتخذ حليًّا للإنفاق في الطعام والشراب، فتجب فيه الزكاة؛ لعموم الأدلة في وجوب الزكاة في النقدين.
الأمر الرابع: الحـليّ المعدّ للإجـارة؛ كما لو اتخـذ حليًّا لتـأجيره في المناسبات، فتجب فيه الزكاة؛ لعموم أدلة وجوب الزكاة في النقدين.
الأمر الخامس: الحليّ المعد للاقتناء، تجب فيه الزكاة عند جمهور العلماء، لعموم أدلة وجوب الزكاة في النقدين خلافًا لبعض الشافعيَّة.
الأمر السادس: الحليّ المباح المتخذ للُّبس أو العاريّة. مثاله: ما تتخذه المرأة للُّبس والتجمل، فهذا موضع خلافٍ:
المذهب، وهو مذهب المالكيَّة، والشافعيَّة: لا زكاة في حلي مباح من ذهب أو فضة معدٍّ للاستعمال المباح أو الإعارة، ولو لم يُعَرْ أو يُلبَس حيث أعد لذلك.
وعند المالكيَّة: أن المرأة إذا صارت كبيرة في السن، ولها حلي لا يتحلى بها لمثلها، وجب عليها أن تخرج زكاته كل عام.
القول الثاني: أن الزكاة تجب في الحليّ سواء كان ذهبًا أو فضة، وسواء كان للنساء أو لا، قدر الحاجة أو فوقها، كانت للتجارة أو للنفقة أو للتجميل، أو لم ينو شيئًا، وسواءٌ كانت مباحةً أو محرمةً.
وهو مذهب الحنفيَّة، وأحد القولين في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال الثوري، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن شداد، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، وابن حزمٍ.
القول الثالث: أن زكاة الحليّ، إعارته وليس إخراج جزءٍ منه، وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والليث بن سعد؛ لما يأتي من الأدلة على وجوب الزكاة في الحليّ.
ودليل من قال بعدم وجوب الزكاة في الحليّ: ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابرٍ -رضي الله عنه-: «ليس في الحليّ زكاة».
ولما روته زينب امرأة ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَصَدَّقْنَ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» متفقٌ عليه. ولو كانت الصدقة فيه واجبةً لما ضرب المثل به في صدقة التطوع.
وأيضًا: قياس الحليّ المعد للاستعمال على الثياب المعدة للاستعمال ودواب الركوب.
وقد جاء عن عائشة، وابن عمر، وجابر، وأسماء -رضي الله عنهم- بأسانيد صحيحةٍ.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: "لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال: في الحليّ زكاة".
ونقل أبو الخطاب الكلوذاني في الانتصار عن القاسم بن محمد أنه قال: "ما أدركت أحدًا أخذ صدقة الحليّ".
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: "ما رأيت أحدًا يزكيه".
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيّم، وهو قول كثيرٍ من علماء هذا العصر، فهو قول الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية، والشيخ عبد الله بن حميد، وغيرهم كثير.
وأما دليل من أوجب الزكاة:
أولًا: العمومات، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]
وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» رواه مسلمٌ.
قال الشوكاني: "ولا يصح استدلال من استدل على وجوب الزكاة في الحلية بما ورد من ذكر الزكاة في الوَرِق، والزكاة في الرِّقَة في الأحاديث؛ لأنه قد ثبت في كتب اللغة الصحاح والقاموس وغيرهما أن الوَرِق والرِّقَة: اسم للدراهم المضروبة، فلا يصح الاستدلال بهذين اللفظين على وجوب الزكاة في الحلية، بل هما يدلان بمفهومهما على عدم وجوب الزكاة في الحلية بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا بلفظ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»".
ثانيًا: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسَكَتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قالت: لا، قال: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ قال: فخلعَتْهما فألقتهما إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وقالت: هما لله ولرسوله» رواه أبو داود، والترمذيّ. قال في بلوغ المرام: "وإسناده قويٌّ".
ثالثًا: حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي يدي فَتَخات من وَرِق، فقال: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله؟ فقال: أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ قلت: لا، قال: هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ» رواه أبو داود والحاكم والدارقطني والبيهقي، ونقل الزيلعي في نصب الراية عن ابن دقيق العيد أنه قال: "الحديث على شرط مسلم".
رابعًا: حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «كنت ألبَس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» رواه أبو داود والحاكم والدارقطني والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط البخاريِّ، وصححه الذهبي.
قال الترمذيّ: "لا يصح في هذا الباب عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- شيء".
وقال ابن حزمٍ: "ما احتُج به على إيجاب الزكاة في الحليّ آثار واهية، ولا وجه للاشتغال بها".
وقال ابن عبد البر: "لم يثبت عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في زكاة الذهب شيءٌ".
وقال الحافظ عمر بن بدر الموصلي: "لا يصح في هذا الباب شيء عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-".
خامسًا: وروده عن عمر -رضي الله عنه-، كما عند ابن أبي شيبة، والبيهقي. وابن مسعود -رضي الله عنه-، كما عند البيهقي. وابن عباسٍ -رضي الله عنهما-، كما عند البيهقي. وعبد الله بن عمرو بن العاص، كما في المحلى. وعائشة -رضي الله عنها-، كما عند الدارقطني.
والأقرب والله أعلم من هذين القولين: أنه لا زكـاة في الحليّ المعد للاستعمال.
وذلك أن الفيصل في هذه المسألـة: هو هذه الأحـاديث التي يستدل بهـا الموجبون، كحديث عائشة وحديث أم سلمة وحديث عبد الله بن عمرو، وهذه الأحاديث في أسانيدها مقالٌ، لا تنهض بالقول بالوجوب، مع أنه ورد عن الصحابة -رضي الله عنهم- القول بعدم الوجوب، وأن الإمام أحمد -رحمه الله- قال: "إنه وارد عن خمسة من أصحاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم-".
وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "لا نعلم أن أحدًا من الخلفاء قال: في الحليّ زكاة".

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟