س: ما حقيقة الأوراق النقدية؟ وهل فيها زكاة؟
ج: الحمد لله، كان الناس قديمًا يتبادلون الأشياء عن طريق المقايضة، ليس عندهم أوراق مالية، أي: إذا احتاج شخصٌ إلى ثوبٍ عند التاجر، فإنه يذهب ويعطيه كتابًا مثلًا، ويأخذ هذا الثوب، أو يعطيه بُرًّا، ويأخذ هذا الثوب، هكذا كان الناس في البداية.
ثم بعد مرور الزمن انتقلوا إلى المرحلة الثانية: وهي أنهم خصصوا بعض السلع لكي تكون أثمانًا عند المبادلة، فخصصوا بعض المواد الغذائية والجلود، فإذا أراد أن يشتري مثلًا ثوبًا أعطاه برًّا أو جلدًا وأخذ الثوب.
ثم بعد ذلك رأوا أن هذا العمل فيه شيءٌ من المشقة؛ إذ إن هذه الأشياء تحتاج إلى نقل، فانتقلوا مع مرور الزمن إلى المرحلة الثالثة، وهي أنهم عمَدوا إلى الذهب والفضة، فجعلوا الذهب والفضة أثمانًا عند مبادلة الأموال، وسُبِكَتْ هذه المعادن الثمينة، وخُتمت لتَسْلَمَ من الغش، فظهر ما يسمى بالدينار، والدينار: قطعة من الذهب، وظهر ما يسمى بالدرهم، والدرهم: قطعة من الفضة، فأصبح الناس يبيعون ويشترون، وتكون الأثمان هي هذه الدراهم والدنانير.
ولما كانت هذه الدنانير والدراهم بحوزة التجار خُشي عليها من السرقة، فأودعوها عند الصاغة والصيارفة، وأخذوا مقابل هذا الإيداع سندًا، وأن هذا التاجر يريد من هذا الصائغ مقدار كذا وكذا من الذهب، ومقدار كذا وكذا من الفضة، فوجدت هذه السندات، ووثقوا بها واستعملوها في البيع والشراء، فظهر ما يسمى الآن بالأوراق النقدية.
ولما ظهرت هذه السندات أصدرت الدول قانونًا يُلزم الناس بقبول التعامل بمثل هذه السندات عام 1254هـ، وكانت هذه السندات التي أصدرتها الدول تُغطَّى غطاءً كاملًا بالذهب أو الفضة، فالدولة إذا أصدرت هذا السند فئة الريال أو فئة مائة الريال، تكتب عليه أنها تتعهد لحامله كذا وكذا من الذهب أو كذا وكذا من الفضة، ثم بعد ذلك تطور الأمر، فلما احتاجت الدول إلى النقود طَبَعَت كمياتٍ كبيرةً تفوق ما عندها من الذهب، فأصبحت هذه الأوراق النقدية غير مغطاةٍ بالذهب أو الفضة إلا في حالةٍ واحدةٍ وهي عند تعامل الدول بعضها مع بعض، فإذا أرادت أن تتعامل دولةٌ مع دولةٍ توفر الغطاء الذهبي لهذه الأوراق النقدية، ثم بعد ذلك تطور الأمر فلجأت بعض الدول الكبيرة إلى إلغاء هذا الغطاء وذلك في عام 1392هـ.
واختلف العلماء -رحمهم الله- في تكييف هذه الأوراق، هل هي عروض تجارة، أو بدل عن الذهب والفضة، أو سَنَد بدينٍ على مُصْدِرِهِ لحامله؟ على أقوال:
القول الأول: أنَّ هذه الأوراق النقدية تعدُّ سندًا بدين على مُصدِرِها لحاملها، وبه قال الأمين الشنقيطي.
ودليله: أن المكتوب على هذه الأوراق: تسليم قيمتها لحاملها، والحكومات ملتزمة بذلك، مما يدل على أنها وثيقة بدين.
القول الثـاني: أنها عُروض تجارة، مثل الكتب والثياب ونحوها.
ودليله: أن الورق النقدي يباع ويشترى، وليس ذهبًا ولا فضةً ولا مكيلًا ولا موزونًا.
وهذا القول أضعف الأقوال؛ لأننا إذا قلنا بأنها عروض تجارة يؤدي ذلك إلى عدم وجوب الزكاة فيها، إلا في أموال الصيارفة، وكذلك يترتب على ذلك أيضًا عدم جريان الربا في مثل هذه الأوراق.
القول الثالث: أنها بدل عن الذهب والفضة، وبه قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله-.
ودليله: أن هذه الأوراق اكتسبت قيمتها من الذهب والفضة، والبدل له حكم الْمُبْدَل.
القول الأخير: أنها عبارةٌ عن نقدٍ مستقلٍّ قائمٍ بذاته، يجري عليه ما يجري على الذهب والفضة من الأحكام.
وهذا القول هو قول أكثر العلماء المتأخرين، وبه أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وانتهى إليه قرار المجمع الفقهي في مكة المكرمة، وقرار مجمع الفقه الإسلامي.
ودليله: أن هذه الأوراق اشتملت على وظائف النقود؛ حيث إنها مقاييس للقيم، وثقت الناس في التعامل بها، وحماية الدول لها.
وهذا القول هو الصواب، فنقول: هذه الأوراق النقدية عبارة عن نقدٍ مستقلٍّ قائمٍ بذاتهٍ، يجري عليه ما يجري على الذهب والفضة من وجوب الزكاة وغيرها من الأحكام.
س: بم يُقدَّر نصاب الورَق النقدي؟
ج: الحمد لله، اختلف العلماء -رحمهم الله- في نصاب الأوراق النقدية، هل يقدَّر بالذهب، أو يقدر بالفضة، أو بالأحَظّ للفقراء من الذهب والفضة؟
للعلماء في ذلك ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أن نصاب الأوراق النقدية يقدَّر بالفضة، أي إذا بلغ نصاب الفضة وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا.
واستدلوا على ذلك: بأن التقدير بالفضة مجمعٌ عليه لثبوت نصاب الفضة؛ ولأن ذلك أنفع للفقراء؛ لأن الغالب أن الفضة هي أرخص من الذهب.
الرأي الثاني: أن هذه الأوراق النقدية نصابها يقدَّر ببلوغ نصاب الذهب.
واستدلوا على ذلك: بأن قيمة الذهب لا تتغير، بخلاف قيمة الفضة فإنها تختلف.
الرأي الثالث: أنه يُنظر إلى الأحَظّ للفقراء من الذهب والفضة.
ودليله: أن الشريعة جاءت بإثبات نصاب الذهب، وإثبات نصاب الفضة، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة، وأنفع للفقراء.
وهذا القول هو الأقرب: فإذا كانت هذه الأوراق النقدية تبلغ نصاب الفضة وجبت، وإذا كانت لا تبلغ نصاب الفضة ولكن تبلغ نصاب الذهب وجبت، فينظر ما هو الأقل من نصاب الذهب ونصاب الفضة.
وعلى هذا: إذا أردت أن تُخرج نصاب الأوراق النقدية من الريالات السعودية أو الدنانير الكويتية أو الجنيهات المصرية أو الجنيهات السودانية أو غير ذلك من هذه العملات والأوراق المالية، فإنك تنظر إلى نصاب الفضة كم يساوي عند مرور الحول؟ وتنظر إلى نصاب الذهب كم يساوي بالأوراق؟ نصاب الفضة بالغرامات يساوي 595 غرامًا من الفضة، ونصاب الذهب بالغرامات يساوي 85 غرامًا على الصحيح.
فإذا قلنا بأن غرام الفضة يسـاوي ريالًا، يكون نصاب الأوراق النقدية 595 ×1 =595 ريالًا، فالذي عنده من الأوراق النقدية 595 ريالًا وجبت عليه الزكاة.
وإذا قلنا: إن المعتبر نصاب الذهب، فإذا كان غرام الذهب يساوي 70 ريالًا، فعندك 85 غرامًا من الذهب × 70 = 6950 ريالًا، والأحَظّ للفقراء أن نقدِّر بالفضة، والأحَظّ اليوم ومن زمانٍ قديمٍ الفضة.
س: ما هي الفُلُوس؟ وهل تجب فيها زكاة؟
ج: الحمد لله، الفلوس: جمع فَلْسٍ، وهي قطع معدنية صغيرة، مضروبة من معدن نحاس أو غيره، غير الذهب والفضة.
واختلف العلماء في زكاة الفلوس على قولين:
القول الأول: تجب فيها الزكاة إن كانت أثمانًا رائجةً، أو سِلَعًا للتجارة، وإن كانت مقتناةً لا زكاة فيها، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة.
وحجته: أنها بمنزلة النقد في وجوب الزكاة؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] والأموال المعتمدة الآن هي هذه الأموال.
وقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «فأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ» متفقٌ عليه. فهي مالٌ، والناس يجعلونها في منزلة النقد.
القول الثاني: لا تجب فيها الزكاة إلا إن كانت للتجارة، كالتي عند الصيارفة فتُزكى زكاة القيمة، كسائر عروض التجارة، وهو مذهب الشافعيَّة.
وحُجته: أن الزكاة وردَت في الذهب والفضة، فيقتصر عليهما دون بقية المعادن.
ونوقش هذا الاستدلال: أنها بمنزلة النقد في وجوب الزكاة.
والراجح: وجوب الزكاة فيها؛ إذ إن الفلوس نقدٌ اصطلاحيٌّ، وعملةٌ رائجةٌ تُقوَّم بها الأشياء.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟