الثلاثاء 2 ذو الحجة 1447 هـ

تاريخ النشر : 09-12-2025

دليل وجوب زكاة الغنم وشروط المخرج فيها وأثر الخلطة في مقدار الزكاة

الجواب

س: ما الدليل على وجوب الزكاة في الغنم؟
ج: الحمد لله، الأصل في وجوبها: السنة، والإجماع.
أما السنة: فحديث أبي بكر -رضي الله عنه- في الصدقات، وفيه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإن زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدةً ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة» رواه البخاريُّ.
وأما الإجماع: فنقله ابن المنذر، وغيره.

س: ماذا يُشترط في المخرَج زكاةً في بهيمة الأنعام؟
ج: الحمد لله، يُشترط في المخرج من بهيمة الأنعام شروطٌ:
الأول: السن: والواجب في الإبل: بنت مخاض وهي ما كملت سنة، أو ابن لبون وهو ما كمل سنتين، أو حِقَّة وهي ما كملت ثلاث سنين، أو جذعة وهي ما كملت أربع سنين، وفي البقر تبيع وتبيعة: ما تم لهما سنةٌ واحدةٌ.
وأما الغنم، فجذع ضأْنٍ له ستة أشهر، أو ثَنِيُّ معزٍ له سنةٌ، وهو المذهب ومذهب الشافعيَّة؛ لما روى عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه-، قال: «قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فينا ضحايا، فأصابني جذع، فقلتُ: يا رسول الله، إنه أصابني جذعٌ، فقال: ضَحِّ بِهِ» رواه مسلمٌ.
وعن بشر بن عاصمٍ، عن أبيه "أن عمر -رضي الله عنه-... وخذ منهم العَناق والجذعة والثَّنِيّة، فذلك عدل بين غَذِيِّ المال وخيارِه" رواه مالكٌ منقطعًا، والطبراني في الصغير، والبيهقي متصلًا.
وعند الحنفيَّة: لا يجزئ إلا الثني.
وعند المالكيَّة: يجزئ الجذع.
الثاني: الأنوثة: ويجوز إخراج الذكر في مواضع محددة.
الثالث: ألا تكون مَعيبةً عيبًا يمنع الإجزاء في الأضحيّة، إلا إذا كان الجميع مَعيبًا.
الرابع: أن تكون وسطًا، فلا يؤخذ الجيد ولا الرديء.

س: ما مفهوم الخُلطة؟ وما أنواعها؟ 
ج: الحمد لله، الخلطة في اللغة: هي العِشْرة.
أما في اصطلاح الفقهاء، فتنقسم إلى قسمين:
الأول: خلطة اشتراكٍ وأعيانٍ وشيوعٍ. والمراد بهذا النوع: ألا يتميز نصيب أحد المالِكَين أو الملَّاك عن نصيب غيره، كماشيةٍ ورثوها أو ابتاعوها معًا، أو وُهبت لهم، فهي شائعةٌ بينهم، وهم شركاء فيها، وليس لأحدهم عددٌ متميز عن الآخر.
والثاني: خلطة أوصافٍ وجوارٍ.
والمراد به: أن يكون مال كل واحد من المالِكَين أو الملَّاك متميزًا عن مال غيره، فلهذا ثلاثون شاة، وللآخر مثلها أو أقل منها أو أكثر، معروفةً متميزةً، ولكنها مخلوطةٌ كالمال الواحد.
وعند الأئمة الثلاثة: أن الخلطة لها تأثيرٌ في الماشية إيجابًا وإسقاطًا، وتغليظًا وتخفيضًا.
وعند الحنفيَّة: لا أثر للخلطة في إيجاب الزكاة أو إسقاطها.
واحتج الجمهور: بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «ولا يُجْمَعُ بين مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدقة»، «وما كان مِن خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» متفقٌ عليه. فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ...» يدل دلالةً واضحةً أن ملك الخليطين كملك رجلٍ واحدٍ، ويكون قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه-: «ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» متفقٌ عليه، مخصوصٌ بهذا الحديث.
ونوقش هذا الاستدلال: أن المراد بالخليط الشريك؛ لأن الخليطين في اللغة العربية هما الشريكان اللذان اختلط مالهما ولم يتميز كالخليطين من النبيذ، وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين، وإذا تميز مال كل واحدٍ منهما من مال الآخر فلا خلطة.
وأجيب: بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهي عن أمرٍ لو فعله كانت فيه فائدةٌ قبل النهي، ولو كان كما قيل لما كان لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنًى.
واحتج الحنفيَّة: بأن الشريكين قد يُقال لهما: خليطان، وإذا وُجد هذا الاحتمال وجب ألا تخصص الأصول الثابتة المجمع عليها، وهي أن النصاب والحق الواجب في الزكاة إنما يعتبر بملك الرجل الواحد.
ونوقش: بأن لفظ الخلطة أظهر في الخلطة نفسها من الشركة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ»؛ لأن الشريكين لا يتصور بينهما تراجع؛ إذ المأخوذ من مال الشركة.
وعليه، فالأقرب: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة -رحمهم الله-، والحنفيَّة هم أضيق المذاهب فيما يتعلق بالخلطة، وأوسع المذاهب في هذه المسألة هو مذهب الشافعي؛ لأن الشافعي -رحمه الله- يرى أن الخلطة مؤثرةٌ ولو في غير السائمة، ولا يرى أن الخلطة من خصائص السائمة.

س: ما هي شروط الخُلطة في بهيمة الأنعام لكي تكون مؤثرةً؟
ج: الحمد لله، هذه الخلطة لكي تكون مؤثرةً اشترط العلماء -رحمهم الله- لها شروطًا:
الشرط الأول: أن يكون الاختلاط كل العام، فلو اختلطت بعض العام فإن ذلك غير مؤثرٍ.
الشرط الثاني: أن تبلغ النصاب، وعلى هذا: إذا كانت لا تبلغ النصاب فإن ذلك لا يؤثر.
مثال ذلك: هذا له عشرٌ من الشِّياه، وهذا له عشرون، فهذه ثلاثون اختلطت، فإنه ذلك لا يؤثر.
الشرط الثالث: أن يكون كلٌّ من الخليطين من أهل الزكاة، مسلمًا، حرًّا، فإن كانا كافرين أو أحدهما لم تلزم الزكاة الكافر، ويزكي المسلم والحر زكاةَ منفردٍ.
الشرط الرابع: أن يكون المخالِط مالكًا، وأن يكون الخليط مملوكًا، فإن كان المخالِط غاصبًا لما هو مخالِطٌ به، أو كان أحد المالين موقوفًا أو لبيت المال، فلا خلطة بلا خلافٍ.
الشرط الخامس: كون المالَين من جنسٍ واحدٍ، فلا خُلطة لغنمٍ مع بقرٍ؛ لاختلاف الجنس؛ ولأنه لا يكمل أحدهما بالآخر في إكمال النصاب.
الشرط السادس: الاشتراك في صفاتٍ معينةٍ.
اختلف العلماء في الصفات المعتبرة لتأثير خُلطة الجوار: فالمذهب لا بُدَّ من الاشتراك في خمسة: المسرح وهو المرعى، والمبيت، والمشرب، والمحلب، والفحل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث سعدٍ -رضي الله عنه-: «والخليطان: ما اجتمعا في الحوض، والراعي، والفحل» رواه أبو عبيد، وهو ضعيفٌ. ولكل واحد من هذه الأوصاف تأثيرٌ، فاعتُبر كالمرعى.
قال ابن مفلح: "فلهذا يتوجه العمل بالعُرف في ذلك".
القول الثاني: يلزم الاشتراك في أكثر الصفات، وهو ثلاثة أو أكثر من خمسة أشياء: ماءٍ مباحٍ أو مملوكٍ لهما أو لأحدهما، ومَراحٍ ــ بالفتح ــ، ومبيتٍ ولو تعدد إن احتاجت له، وراعٍ لجميعها أو لكل ماشية راعٍ وتعاونا ولو لم يحتج لهما بإذنهما، وإلا لم يصح عدُّه من الأكثر، وفحلٍ يضرب في الجميع إن كانت من صنفٍ واحدٍ، وهو مذهب المالكيَّة.
وحجته: أن الأكثر له حكم الكل، وهذه الصفات هي التي تحصل بها الخلطة.
القول الثالث: أنه لا بُدَّ من الاشتراك في سبعةٍ، هي: المَشْرَع -المشرب-، والمسرح، والمراح، وموضع الحَلَب، والراعي، والفحل، والمرعى. وهو مذهب الشافعيَّة.
وحجته: حديث سعدٍ -رضي الله عنه- السابق، فنص على هذه الثلاثة، ونبَّه على ما سواها؛ ولأنه إذا تميز كل واحدٍ بشيءٍ مما ذكرناه لم يصر كمال الواحد في الْمُؤَن.
ولعل الأقرب: ما ذهب إليه ابن مفلح؛ لعدم الدليل الدال على اشتراط شيءٍ من هذه الصفات.
الشرط السابع: أن تكون الخلطة في الماشية، فإن كانت الخلطة في غيرها فهذا موضع خلافٍ بين أهل العلم -رحمهم الله-.
فمثال إفـادتها للتغليظ: زيدٌ لـه عشرون شاةً، وعمرٌو لـه عشرون شـاةً، فالمجموع أربعون، لو أن كل واحدٍ منهما انفرد لا تجب الزكاة، لكن لما اختلطا وجَبَت الزكاة على كلٍّ منهما، فيُخرجان شاةً، فهذا عليه نصف الشاة، والآخر عليه النصف الآخر حسب نسبة المال.
وإن كان له ثلاثون، وهذا له عشرٌ، يجب عليهما شاةً، فصاحب الثلاثين يجب عليه من الشاة ثلاثة أرباع، وصاحب العَشر يجب عليه الربع.
قال -صلى الله عليه وسلم-: «وما كان مِن خَلِيطَيْنِ فإنَّهما يَتَرَاجَعَانِ بينهما بالسَّوِيَّةِ» يعني: إذا أخذ الساعي من مال صاحب الثلاثين الشاة، يرجع على صاحب العشر بربع شاة، وإذا أخذ الشاة من صاحب العشر يرجع على صاحب الثلاثين بثلاثة الأرباع.
مثال التخفيف: زيدٌ له أربعون، وعمرٌو له أربعون، لو انفرد كل واحدٍ منهما فإنه يجب شاتان، لكن لما اختلطا فإن الخلطة صيَّرت المالين كالمال الواحد.
مثالٌ آخر: زيدٌ له أربعون، وعمرٌو له أربعون، وبكرٌ له أربعون، هذه مائة وعشرون، يجب عليهم شاةٌ واحدةٌ، ولو انفرد كل واحد منهم وجب عليهم ثلاث شياهٍ كل واحد يجب عليه شاةٌ مستقلةٌ.

س: هل الخلطة خاصةٌ بالسائمة أو ليست خاصةً بها؟
ج: الحمد لله، مثال ذلك: زيدٌ وعمرٌو خَلطا دنانير لهما، فزيدٌ له عشرة دنانير، وعمرو له عشرة دنانير، فالآن اكتمل النصاب، هل نقول: الخلطة مؤثرة وتجب الزكاة؟ أو لكل واحد حكمه؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم -رحمهم الله-:
الرأي الأول: هو رأي جمهور أهل العلم -رحمهم الله-، وهو أن الخلطة من خصائص السائمة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنسٍ -رضي الله عنه-: «ولا يُجمعُ بين مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» متفقٌ عليه.
وهذا إنما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- في السائمة.
الرأي الثاني: أن الخلطة مؤثرةٌ ولو في غير الماشية، وبه قال الشافعي -رحمه الله-.
وتعليل ذلك: أن الخُلطة أثَّرت في الماشية؛ لوجود الارتفاق والتخفيف، وهذا الارتفاق والتخفيف موجودٌ في غير الماشية، فتؤثر الخلطة.
والأقرب: ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الأصل وجوب الزكاة.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟