الجمعة 24 محرّم 1448 هـ

تاريخ النشر : 28-04-2026

خلاف العلماء في فعل صلاة ذوات الأسباب في وقت النهي

الجواب
الحمد لله، للعلماء في ذلك رأيان:
الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-، وهو قول أكثر أهل العلم -رحمهم الله-: أن ذوات الأسباب لا تُشرع في أوقات النهي.
الرأي الثاني: أن ذوات الأسباب تُشرع في أوقات النهي، وبه قال الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-.
ولكُـلٍّ منهم دليـلٌ: أمَّـا الذين قالـوا: بأن ذوات الأسـباب لا تجـوز في أقات النهي فاستدلّوا بالعمومات؛ مثل: حديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». وأيضًا حديث عقبة -رضي الله عنه- قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نُصلِّيَ فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب». وأيضًا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- وحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- وغير ذلك من الأحاديث.
وأمَّا الذين قالوا بجواز ذوات الأسباب في أوقات النهي: فاستدلّوا بالأدلة الدالة على الأمر بهذه الصلوات مطلقًا، كحديث أبي قتادة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». أمر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بصلاة ركعتين عند دخول المسجد، وهذا يشمل أيَّ وقتٍ، سـواءٌ دخل بعد العصر أو الظهر أو بعد الفجر فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وأيضًا قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة -رضي الله عنها- في صلاة الكسوف: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وكذلك ما ورد من حديث جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ». وأيضًا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في ركعتي الوضوء أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال لبلالٍ -رضي الله عنه-: «يَا بِلالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ، ــ يعني حركة نعليك ــ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ، فقال: يا رسول الله، إني لا أَتطهَّرُ طُهورًا في أية ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صليت بذلك ما كُتِبَ لي أن أصلي». فقال: «في أية ساعةٍ من ليل أو نهار».
وهذه العمومات مُعَارَضَةٌ بعمومات النهي عن الصلاة في أوقات النهي، فاجتمع عندنا عمومان: الأوَّل: عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات. والثاني: عموم الأمر بِفِعْلِ ذوات الأسباب في هذه الأوقات، وإذا نظرنا إلى العمومين نجد بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًّا، فأحاديث النهي عامةٌ في جميع الصلوات، خاصةٌ في بعض الأوقات، والأمر بتحية المسجد عامٌّ في جميع الأوقات، خاصٌّ في تحية المسجد، فتخصص عمومات النهي بعموم الأمر بتحية المسجد؛ لأنها أقوى من عموم النهي؛ لأن عموم النهي قد دخله التخصيص، والعموم إذا دخله التخصيص فإنه يَضْعُفُ عند الأصوليين، بخلاف عموم الأمر، فإنه لم يدخله التخصيص، فعموم الأمر أرجح من عموم النهي؛ لأن عموم الأمر محفوظٌ، وأمَّا عموم النهي فقد دخله التخصيص، وذلك: بركعتي تحية المسجد، وإعادة الجماعة، وركعتي الطواف، وركعتي الوضوء، فضَعُفَ عمومُه، فيرجح عليه عموم الأمر.
وأيضًا مما يؤيِّد ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- استدلَّ على أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي بحديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَحَرَّوْا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا». والتحري هو قصد الشيء، وذوات الأسباب ليس فيها قصدٌ، وإنما فعلها لأجل السبب، فيكون التحري في التطوع المطلق فإنه هو الذي يُتحرَّى ويُقصد.
فالصواب في هذه المسألة: أن ذوات الأسباب تُشرع في أوقات النهي؛ وأيضًا: أنه إنما يُقدَّم الحاظر على المبيح إذا لم يُمكنِ الجمع بين الأدلة، وقد أمكن، فتُحْملُ عمومات النهي على غير ذوات الأسباب.
وأيضًا: أن منع ذوات الأسباب لعمومات النهي قد أجاز بعضها كما ورد عند الحنابلة.
ومما استثنوه سُنَّة الظهر البعدية إذا جُمِعَ العصر مع الظهر جمع تقديمٍ، كما لو جَمَعَ لمرضٍ، فإذا فرغ من صلاة العصر دخل وقت النهي، لكن يُستثنى من ذلك سُنَّة الظهر البعدية، فإنه لا بأس أن تُصلى بعد العصر.
وتحية المسجد إذا دخل المصلي حال خطبة الجمعة فإنه يصليها؛ لِمَا ورد من حديث جابر -رضي الله عنه-: أن سُليكًا الغطفاني دخل والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب، فقال: «أَصَلَّيْتَ؟ قال: لا، قال: قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». إذ على المذهب أن وقت الجمعة يدخل بعد طلوع الشمس وارتفاعها قِيدَ رمحٍ، وعليه: فالخطيب له أن يدخل قبل الزوال، فقد يدخل وقت النهي وهو يخطب، فإذا دخل والإمام يخطب فإنه يصلي ركعتين مطلقًا، سواءٌ كان ذلك في وقت النهي أو غيرِ وقت النهي.
المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟