الحمد لله، من القرآن ما يُسمَّى بالمفصَّل، والمفصَّلُ للعلماء في أوَّلِه أربعة أقوالٍ:
فالمذهب: أن طِوال المفصَّلِ من سورة (ق) إلى النبأ، وأوساطه من النبأ إلى الضحى، وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن.
وعند الحنفية: أن طِوال المفصَّلِ من الحجرات إلى البروج، وأوساطه من البروج إلى البينة، وقصاره من البينة إلى آخر القرآن.
وعند المالكية: أن طِوال المفصَّلِ من الحجرات إلى عبس، وأوساطه من عبس إلى الضحى، وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن.
وعند الشافعية: أن طِوالَ المفصَّلِ من الحجرات إلى النبأ، وأوساطه من النبأ إلى الضحى، وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن.
والأقرب: أنه يبدأ من سورة (ق)، ويدلُّ لذلك ما رواه أوسٌ قال: «سألت أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف يحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحِزبُ المفصَّل وحده» أخرجه أبو داود، وسكت عنه. وهذا يقتضي أن المفصَّلَ السورةُ التاسعة والأربعون من سورة البقرة، وهي سورة (ق).
وروى يوسف بن ماهك، قال: إني عند عائشةَ أُمِّ المؤمنين -رضي الله عنها-، إذ جاءها عراقي،... وفيه قالت عائشة: «نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ منه سورةٌ من المفصَّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام» رواه البخاري. فأشارت عائشةُ -رضي الله عنها- إلى أن المفصَّل كان أوَّل القرآن نزولًا، وأن أكثرَه في وصف الجنة والنار، وليس في بيان الحلال والحرام.
قال ابن رشد الجدُّ في البيان والتحصيل: "والصحيح قول مَن قال: إنه من سورة ق؛ لأن سورة الحجرات مدنية، والمفصَّل مكيٌّ".
وقال بعض الشافعية: طِوالُه: كالحجرات واقتربت والرحمن، وأوساطه كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وقصاره كالعصر، وقل هو الله أحد، فالمسألة تقريبية؛ لعدم النَّصِّ.
فهديه -صلى الله عليه وسلم- الغالب القراءة بطِوال المفصَّل في صلاة الفجر. وقيّد الحنفيةُ والمالكيةُ والشافعيةُ: الاستحبابَ للمنفرد، أو لجماعة محصورةٍ رغبت في إطالة الصلاة، وكانت تطيق ذلك.
وقيل: تُسنُّ القراءة من طوال المفصَّل مطلقًا، وبه قال إمام الحرمين وابن القيم.
روى سليمان بن يسار، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «ما صليتُ وراء أحد أَشْبَهَ صلاةً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من فلان، قال سليمان: كان يُطيل الركعتين الأُوْلَيَيْنَ من الظهر، ويُخفِّف الأخريين، ويُخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل، ويقرأ في الصبح بطُوَل المفصَّل» رواه أحمد والنسائي. وصحَّحه ابن رجب وابن حجر، وحسَّنه النووي. فهذا الحديث كالجامع في القراءة في الصلاة.
وحديث أبي بَرْزةَ -رضي الله عنه- في الصحيحين: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ ما بين الستين إلى المائة».
وحديث أُمِّ سلمةَ -رضي الله عنها-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بالطور» متفقٌ عليه.
وحديث قُطبة بن مالك -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بـ: { ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}[ق:1]» أخرجه مسلم.
وحديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور» رواه أحمد. وصحَّحه الحافظ ابن حجر.
وحديث عبد الله بن السائب -رضي الله عنه- قال: «صلى لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- الصبح بمكةَ، فاستفتح سورة المؤمنين» رواه مسلمٌ.
وحديث عمرو بن حريث -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بسورة التكوير» رواه مسلمٌ.
وحديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الصبح {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا}[الزلزلة:1] في الركعتين كلتيهما» رواه أبو داود والبيهقي بإسنادٍ حسنٍ. واختلف في وصله وإرساله.
وحديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بسورة الروم» رواه أحمد والنسائي بإسنادٍ حسنٍ كما ذكر الحافظ.
وحديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بالمعوذتين في السفر» رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسنادٍ صحيحٍ.
وحديث رجل من بني غفار -رضي الله عنه-: «أنه قرأ في المدينة بسورة مريم والمطففين، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بخيبر» رواه البزار، والطحاوي بإسنادٍ صحيحٍ.
وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرُنا بالتخفيف، ويؤُمُّنا بالصافات» رواه أحمد والنسائي.
وورد عن أبي بكر -رضي الله عنه- أنـه: «استفتح الـبقرة فقرأهـا في ركعتين» رواه عبد الرزاق. وصحَّحه الحافظ ابن حجر. وعن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى وفيه: «وصَلِّ الصبح والنجومُ باديةٌ مُشتبكةٌ، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصَّل». رواه مالك في الموطأ، وإسناده صحيح وورد عن عمر -رضي الله عنه-: «أنه قرأ البقرة في صلاة الفجر» رواه الطحاوي. وإسناده صحيح.
«وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني» رواه البخاري مُعلَّقًا بصيغة الجزم.
وروى أبو رافع: "كان عمر يقرأ في صلاة الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصَّل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصَّل" رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ.
وورد عن عمر -رضي الله عنه- أيضًا: «أنه قرأ سورة الحج» رواه ابن أبي شيبة، وصحَّحه البيهقي.
وورد عنه أيضًا: «أنه قرأ سورة يوسفَ والحج» رواه مالك في الموطأ بإسنادٍ صحيحٍ.
وورد عنه أيضًا -رضي الله عنه-: «أنه قرأ بالنجم» رواه عبد الرزاق.
وورد عنه أيضًا -رضي الله عنه-: «أنه قرأ يوسفَ والكهف» رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار بإسنادٍ صحيحٍ.
وورد عن عليٍّ -رضي الله عنه-: «أنه قرأ بالأنبياء» رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ.
وروى أبو عمرو الشيباني قال: "صلَّى بنا عبد الله بن مسعودٍ الفجر، فقرأ السورتين الآخرة منهما بني إسرائيل" رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ.
هذا الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويتلخَّصُ منه: أن السُّنَّة في القراءة في صلاة الفجر أن يقرأ الإمام بطِوال المفصَّل، كما جاء في حديث سليمان بن يسار، ولقراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالطور، وبالواقعة، ونحوها من السور.
وأحيانًا يقرأ بأطولَ من ذلك؛ لِمَا جاء عن أبي بكرٍ وعمر -رضي الله عنهما-، وأيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بالروم، وقرأ الصافات، إلى آخر ما تقدَّم.
وما ورد من القراءة في المعوذتين أو التكوير محمولةٌ على أحد أمرين:
الأمر الأوَّل: أنها في السفر، والقراءة في السفر السُّنَّة أن تكون قصيرةً، هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
الأمر الثاني: محمولةٌ على العذر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُخفِّف لسماع بكاء الصبي .. إلى آخره. ويؤيِّد ذلك: قول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}[الإسراء:78]، فالله تعالى ذكر أربع صلوات؛ {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} يعني من الزوال، {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}، وذلك عند انتصافه، هذه أربع صلوات، {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} عبَّر الله تعالى عن صلاة الفجر بقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} سمَّاها قرآنًا؛ لأنه يُشرع أن تطال فيها القراءة، لحديث رافع بن خَدِيج ومحمود بن لبيد -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ». والمراد بالإسفار هنا هو إطالة القراءة.
وإذا شقَّ على المأمومين لطول السورة قسَّمها قسمين كسورة المؤمنون.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]
هل انتفعت بهذه الإجابة؟