الخميس 3 جمادى الأولى 1448 هـ

تاريخ النشر : 27-12-2025

خلاف العلماء في استثمار أموال الزكاة

الجواب

الحمد لله، مسألةٌ: استثمار أموال الزكاة: أي: تنمية أموال الزكاة بالبيع والشراء ونحوهما.

والاستثمار في اللغة: طلب الثمر، يقال: ثمّر الرجل ماله إذا كثّره.
وأما في الاصطلاح: فهو طلب الحصول على الأرباح المالية عن طريق المضاربة بأموال الزكاة.
واستثمار أموال الزكاة مِن قِبل المؤسسات الخيرية والهيئات الإغاثية ونحو ذلك ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: استثمار أموال الزكاة مِن قِبل المزكِّي نفسه، مثاله: رجل عنده مائة ألف ريال زكاة، فأراد أن يبيع ويشتري بهذه الدراهم لكي يثمِّرها ويكثِّرها، فهذه المسألة تنبني على مسألة ذكرها العلماء -رحمهم الله- وهي إخراج الزكاة هل هو على سبيل الفور أو على سبيل التراخي؟
وللعلماء -رحمهم الله- في ذلك قولان، وأن الراجح أنه تجب على الفورية، وعليه: فلا يجوز للمالك أن يثمّر أموال الزكاة، ويجب عليه أن يبادر بصرف هذه الأموال إلى المستحقين.

القسم الثاني: استثمار أموال الزكاة مِن قِبل الإمام ومن يُنيبه الإمام، مثل الوزارات والجمعيات الخيرية التي أُنشئت بإذن الإمام، وكذلك الهيئات الإغاثية، فاختلف العلماء -رحمهم الله- في هذا على آراء، أهمها رأيان:
الرأي الأول: أن هذا جائزٌ ولا بأس به، وهذا الرأي هو الذي انتهى إليه مجمع الفقه الإسلامي، وكذلك لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية.
ودليلهم: 
أولًا: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاءه الراشدين كانوا يستثمرون أموال الصدقـات من إبل ونحوها، يؤيده ما رُوي عن أنس -رضي الله عنه-: «أن ناسًا من عُرَينةَ اجْتَوَوُا المدينة، فرخَّص لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعيَ، واستاقُوا الذَّوْدَ، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأُتِيَ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَرَ أعينهم، وتركهم بالحَرَّةِ يَعَضُّون الحجارة»، فكان هناك أماكن خاصة لإبل الصدقة تُحفظ للرعي ويستفاد من لبنها ونسلها، وهذا نوع من الاستثمار؛ لأنها يتوالد منها النسل، ويؤخذ منها اللبن وغيره.
ثانيًا: حـديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أن رجلًا من الأنصار أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله، فقال: «أما في بيتك شيء؟ قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا»، ضعيف؛ لجهالة حال أبي بكر الحنفي.
ووجه الدلالة: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عمل في مال هذا الفقير، وكذلك أيضًا أموال الزكاة هي للفقراء.
ثالثًا: أن الولي يتصرف في أموال الأيتام؛ لقول عمر -رضي الله عنه-: "ابتغوا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها الصدقة"، فأموال الأيتام يستحب للولي أن يعمل عليها بالبيع والشراء كما ورد عن عمر وعائشة -رضي الله عنهما-، فكذلك أيضًا ولي المسلمين يعمل في أموالهم ولا بأس.
رابعًا: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ، إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ، فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ، وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ، فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا، وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ فَسُقْهَا، فَقَالَ لِي: إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ، فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الفَرَقِ، فَسَاقَهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ.
فَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً، فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنَ الجُوعِ، فَكُنْتُ لاَ أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا، فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا، فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ، مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ، إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ، فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا، فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَقَالَتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ المِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَفَرَّجَ اللهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا».
فقالوا: بأن هذا عمل في مال هذا الأجير، فكذلك أيضًا مثله ولي الأمر يعمل في أموال الفقراء فدل على الجواز.
خامسًا: أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر -رضي الله عنهم- : «لمّا مرَّا على أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- وكان أمير البصرة فأعطاهما أبو موسى شيئًا من المال من بيت المال، فعمِلَا به ثم أخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال» فقالوا: هذا عَمَلٌ في مال بيت المال فيقاس العمل في أموال الفقراء إلى آخره، سنده صحيح.
القول الثاني: أنه لا يجوز التصرف بالبيع والشراء في أموال الزكاة، حتى ولو كانت من قِبل الجمعيـات الخيريـة التي أذن فيها الإمام، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة، وأيضًا ما عليه شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله-.
واستدلوا على ذلك: 
أولًا: أن الله تعالى قال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} التوبة: 60 فالآية حصرت المصارف فليس هناك مصرفٌ تاسعٌ تصرف فيه أموال الزكاة كمصرف المضاربة فيها.
ثانيًا: أن الزكاة عبادةٌ عظيمةٌ الأصل فيها المنع، و «من عَمِل عملًا ليس عليها أمرنا فهو ردٌّ».
ثالثًا: أن هذا يؤدي إلى تأخير الزكاة عن مستحقيها.
رابعًا: أن هذا يؤدي إلى تعريض هذه الأموال إلى الخطر عند المضاربة بالبيع والشراء في هذه الأموال.
ومن يُجوّز المضاربة بأموال الزكاة من قِبل هؤلاء الجمعيات التي أُذن فيها، جعلوا لذلك ضوابط:
الضابط الأول: مراعاة حاجة الفقراء والمساكين، فلا يكون هناك وجوهُ صرفٍ عاجلة، فإذا كان هناك وجوهُ صرفٍ عاجلة كفقراء يحتاجون إلى الغذاء والكساء فإنه لا تجوز المضاربة بها، فيجب أن تُصرف هذه الأموال لكفايتهم والفاضل يُضارب به، وإذا لم يبق شيءٌ فلا مضاربة.
الضابط الثاني: أن يتحقق من الاستثمار مصلحة حقيقية بحيث يغلب على الظن بسؤال أهل الخبرة أنه يربح، أما إذا كان يحتمل الربح ويحتمل الخسارة فلا يجوز، وبهذا نعرف أن ما تعمله بعض الجمعيات من المضاربة في أموال الصدقات والزكوات في طرق غير مأمونة في أسهم إلى آخره، أن هذا محرمٌ ولا يجوز؛ إذ هي عُرضة للتلف بدون مقابل، بخلاف ما إذا باع واشترى في بضائع، فقد تخسر وقد تربح؛ لكون أعيان هذه البضائع لا يزال باقيًا.
الضابط الثالث: المبادرة إلى تنضيض "تسييل" المال عند وجود حاجة، أي: إذا وجد حاجةً عاجلة للفقراء والمساكين، فإنه يبادر إلى بيع هذه الأصول وقلْبِها إلى أموال تعطى للفقراء والمساكين.
الضـابط الرابع: أن يكون هذا العمل من ولي الأمـر، أو من يُـنيبه من الوزارات والجمعيات، والهيئات الإغاثية.
الضابط الخامس: أن يُسنَد هذا العمل إلى ذوي الخبرة والأمانة.
الضابط السادس: أن يكون هذا في مجالات مشروعة دون أن يكون ذلك في مجالاتٍ محرمةٍ.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟