الحمد لله، نقل الميت ليس طارئًا، وإنما كان موجودًا في الزمن السابق، لكن مع تقدُّمِ وسائل النقل أصبح نقل الأموات أسهلَ من غيره، ففي فترةٍ وجيزةٍ ينقل الميت من مكانٍ إلى مكانٍ آخر بعيد، فهل يجوز نقل الميت من بلد إلى بلد آخر، أو لا يجوز؟
أولًا: هناك موضعان لا يجوز فيهما نقل الميت من بلدٍ إلى بلدٍ آخر:
الموضع الأول: إذا أدَّى ذلك إلى هتك حرمة الميت، أو تغيير جثته، كما لو كان النقل لفترةٍ طويلةٍ، وسيتسبب في تغير جُثَّة الميت مما يؤدِّي إلى هتك حرمته.
الموضع الثاني: الشهداء لا يجوز نقلهم، ويجب دفنهم في مواضعهم.
ودليل ذلك حديث جابر -رضي الله عنه- «أن شهداء أحد نُقلوا إلى المدينة، فأمر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُرَدُّوا إلى مضاجعهم، فرُدُّوا إلى الأماكن التي استشهدوا فيها» أخرجه أحمد وغيره.
أمَّا نقل الميت للضرورةٍ فجائزٌ، ولا بأسَ به، كما لو مات في بلاد كفارٍ وخُشِيَ على هذا الميت من أن يعبث الكفار بجثته بالتمثيل أو التحريق أو التقطيع أو البيع ونحو ذلك، فهذا جوَّز العلماء -رحمهم الله- نقله.
أمَّا في غير هذين الموضعين المذكورين فموضع خلافٍ، وبعض الأموات قد يوصي أن يدفنَ في البلد الفلاني؛ إمَّا لكون هذا البلد هو بلده حتى يكون قريبًا من أهله، أو لكون هذا البلد له حرمةٌ كمكةَ والمدينة وبيت المقدس، فهل تنفذ هذه الوصية؟ وإذا لم تكن هناك وصيةٌ واختار أقاربه أن ينقلوه فهل ينقل؟
في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم:
الرأي الأول: مذهب الحنابلة والمالكيَّة أن النقل جائزٌ.
الرأي الثاني: مذهب الحنفيَّة أن نقل الميت مكروهٌ إلا لمسافةٍ يسيرةٍ قالوا: كالميلين، أمَّا ما عدا ذلك فلا ينقل، ولا يفرقون بين البلد المقدَّس وغيره، وهو أضيق المذاهب في هذه المسألة.
الرأي الثالث: مذهب الشافعيَّة -رحمهم الله-: وهو التفصيل في هذه المسألة: فإن كان لبلدٍ مقدَّسٍ فإن هذا جائزٌ، ولا بأس به، وإن كان لغير بلدٍ مقدَّسٍ فإنه مُحرَّمٌ.
أدلة مَن قال بجواز النقل:
أولًا: «أن موسى -عليه السلام- لَمَّا حضرته الوفاة سأل الله أن يُدْنِيَه من الأرض المقدسة رَمْيةَ حجر» أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ. ولِمَا ورد من حديث جابر -رضي الله عنه-.
ثانيًا: أن عمر -رضي الله عنه- كما في البخـاريّ، استـأذن عائشـة -رضي الله عنها- أن يُـدفنَ في حُجرتها بجوار النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر -رضي الله عنه-، فيقاس عليه مِثلُ ذلك، كما لو وصى الميت قبل موته أن ينقل إلى بلده ليدفن بجوار أهله وأقاربه.
ثالثًا: أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- توفي بالعقيق، ونُقِلَ إلى البقيع.
رابعًا: أن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنه- توفي بِحُبْشِيّ -موضع قريب من مكة-، ونُقل إلى مكة.
ودليل مَن منع النقل: أن سُنَّة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- أنهم يدفنون موتاهم في البلد الذي مات فيه، ولم يَردْ أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بنقل مَن مات في المدينة إلى مكةَ، مع أن مكةَ أفضلُ من المدينة، أو أن مَن مات خارج المدينة يُنقل إلى المدينة أو يُنقل إلى مكةَ.
وأمَّا ما ورد من الآثار في ذلك فيحمل على الأمور اليسيرة، كأثر سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- إن ثبت، وأمَّا أثر عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه ضعيفٌ.
فتخلص لنا: أنه يجوز نقل الأموات في موضعين:
الموضع الأول: إذا كان الأمر يسيرًا فإن هذا جائزٌ، كأن تكون المسافةُ عشرة كيلومترات، أو عشرين كيلو مترًا ونحو ذلك، فإن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- نُقِلَ من العقيق إلى البقيع ودُفِنَ فيه، وكذلك أيضًا موسى -عليه السلام- سأل الله أن يُدنيَه من الأرض المقدَّسة رمية حجر، ورميةُ الحجر هذه ليست مسافةً كبيرةً.
الموضع الثاني: إذا مات في بلاد الكفار، واختار أولياؤه أن يُنقلَ إلى بلد المسلمين؛ لأن هذا غرضٌ صحيحٌ، ومثل أن يكونَ دُفِنَ في أرضٍ مغصوبةٍ، أو في دار حربٍ، أو خيف عليه مما يؤذيه كوجود ماءٍ أو خوف نبشٍ ونحوه.
وما عداه فغير جائزٍ؛ لِمَا ورد أن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكونوا ينقلون موتاهم، ولم يَردْ النقل إلا في الشهداء فقط، وإنما نقلوهم لكي يدفنوا مع المسلمين في البقيع، فأمر بردِّهم إلى مواضعهم.
ولأن السُّنَّة هي المسارعة في تجهيز الميت وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ ــ لَعَلَّـهُ قَالَ ــ تُقَـدِّمُونَـهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَشَـرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». والنقل يؤدِّي إلى تأخير هذه السُّنَّة وتعطيلها.
وقد يَلحَقُ أولياءَ الميت في ذلك المشقةُ، أو تكاليفُ مالية.