بعض الإخوان يفعلون مثل هذا الفعل ويجتهدون ويتكلفون ويحجون من مكان بعيد أو قريب، وفي هذا دفع نفقة وجهد ووقت طويل، ثم إذا وصلوا إلى مكة، دخلهم شيء من التساهل، ثم تجدهم لا يبيتون بمنى، ويتعللون بأشياء كثيرة، أو لا يرمون الجمار، وإذا رموا لا يرمونها في اليوم المحدد، ولا يبيتون بمزدلفة، وهذا كله من تلاعب الشيطان، ودخول الشيطان معهم في العمل، والشيطان أقسم بعزة الله -جل وعلا- أنه ليقفن لهم في كل طريق {لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17]، فهؤلاء يأتون وقصدهم الخير، إما لحج، أو عمرة، ثم تجدهم يقصرون إما في طواف، أو سعي، أو تقصير، أو في مبيت، أو رمي، هذا كله خطأ، الإنسان إذا ألزم نفسه بعبادة فعليه أن يفي بالعبادة، ولهذا جاء في النذر: «مَنْ نَدْرَ أَنْ يُطيع اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَدَرَ أَنْ يَعْصِيهُ فلا يَعْصِهِ» [رواه البخاري (6696) من حديث عائشة -رضي الله عنها-]، فإذا لم يف بنذره فهو آثم، كذلك الإنسان إذا أحرم بنسك ولم يف بهذا النسك وهو قادر على الوفاء به فهو آثم، وهؤلاء الناس يأتون يلتمسون الأجر والثواب، فكيف ينقلب أمرهم إلى وزر وملامة عليهم؟
على هذا السائل مع الملامة عليه والمؤاخذة أن يذبح شاة يرسلها إلى مكة، وتذبح وتوزع على فقراء الحرم؛ لأنه اليوم الأول على كلامه رمى قبل الزوال الذي هو يوم الحادي عشر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحج إلّا مرة واحدة وهو أرحم الخلق بالخلق {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ۱۰۷]، وفي حديث ابن عمر قال: (كنا نَتَحَيَّنُ، فإذا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنا) [رواه البخاري (1746)]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذه» [رواه مسلم (1297) من حديث جابر -رضي الله عنه-]، فهي حجة واحدة، وهذا فعله وهذا قوله، فكيف يسوغ للإنسان أن يرمي قبل الزوال، وهو يعرف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صبر ولم يرم إلا بعد الزوال، والثاني أنه لم يرم اليوم الثاني أبداً، ولم يبت أيضًا بمنى الليلة الثانية، فعليه دم؛ لأنه رمى قبل الزوال، ولم يرم اليوم الثاني، ودم لأنه لم يبت ليلة اثني عشر بمنى، فعليه دمان يذبحان في مكة، وهو مع ذلك آثم ؛ لأنه فعل ذلك من غير عذر.
[ثمر الغصون في فتاوى الشيخ صالح بن علي بن غصون (8 /273-274)]
هل انتفعت بهذه الإجابة؟