الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1448 هـ

تاريخ النشر : 04-10-2026

حُكم من رأت يومًا دمًا، ويومًا نقاء

الجواب

الحمد لله، قال صاحب الزاد: "مَن رَأتْ يومًا دَمًا، ويومًا نقاءً؛ فالدَّمُ حَيْضٌ، والنَّقاءُ طُهْرٌ، ما لَمْ يَعْبُرْ أكْثَرَهُ" أي: أن المرأة إذا رأت يومًا دمًا، أو أقلَّ من يوم، أو أكثر فهو حيضٌ، وإذا رأت يومًا نقاءً، أو أقلَ من يوم فهو طهرٌ، فدمُ الحيض تأخذ فيه أحكام الحائضات لكن بشرط "ما لَمْ يَعْبُرْ أكْثَرَهُ"، هذا يُسمَّونه "التلفيق"، أي: رأت تارةً دمًا وتارةً نقاءً، فلفَّقناها، وجمعناها بشرط ألّا يعبرَ أكثره، أي: يتجـاوز أقلَّه فقط، ولا يعبر أكثرَه؛ لأنـه إذا عبر أكثره فهو على المذهب استحاضة، وإذا كان دون أقلِّه فلا يكون حيضًا؛ لأن أقلَّ الحيض على المذهب يومٌ وليلةٌ، فلا بُدَّ أن يكون أكثرَ من يومٍ وليلةٍ، وأقلَّ من خمسة عشر يومًا.
ولا خلافَ أن النقاء ليس بطهرٍ، ولا يأخذ أحكام الطهر في انقضاء العدة وكونِ الطلاق سُنيًّا، والخلاف في اعتبار النقاء حيضًا أو طهرًا متعلِّقٌ بمسائل الصلاة، والصوم، والطواف، والقراءة، والغسل، والاعتكاف، والوطء، ونحوها.
ومحلُّ التلفيق: إذا لم يكن بين الدَّمين طهرٌ تامٌّ؛ وإلا كان الثاني حيضًا، وكذا ألّا يعبرَ الدم أكثرَ الحيض عند القائلين به؛ فإن عَبَرَه فهي مستحاضة تُردُّ إلى عادتها.
فالمذهب، ومذهب المالكية "الدَّمُ حَيْضٌ، والنَّقاءُ طُهْرٌ، ما لَمْ يَعْبُرْ أكْثَرَهُ"؛ لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}[البقرة:222]، والحكم يدور مع عِلَّته، فيوم الحيض له أحكام الحيض، ويوم النقاء له أحكـام الطهر.
القول الثاني: النَّقاء المتخلل زمن الحيضِ حيضٌ، وهو الأظهر عند الشافعية ورواية عن الإمام أحمد، بشرط: أن يكون مجموعُ الدماء المحيطة بالنَّقاء قَدْرَ أقلِّ الحيض فأكثر؛ لأن الحيض لا يسيل سيلانًا مُتْصِّلًا، بل يخرج دفعةً دفعةً، فالنَّقاء المتخلل لا يخرج عن الطبيعة المعتادة للحيض؛ ولو كان طهرًا لأُمرت النساء بالتَّطهُّر فيه، ولم يردِ الأمر به.
القول الثالث: النَّقاء المتخلل طُهْرٌ، وتُلفَّقُ أيام الحيض؛ وذلك بضمِّ بعضها إلى بعض، وهو طهرٌ بشرطين: أن تكون مدةُ الانقطـاع زائدةً على الفترات المعتادة بين دفعات الدم، وأن يكون النَّقاءُ تامًّا بحيث لو أدخلت قطنةً في فَرْجِها تخرج نقيةً لا شيءَ عليها، وهو قول عند الشافعية؛ لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}[البقرة:222]، والحكم يدور مع عِلَّته، فيوم الحيض له أحكام الحيض، ويوم النقاء له أحكام الطهر. وفي إيجاب الغسل على مَن تَطْهَّر ساعةً بعد ساعةٍ حرجٌ ينتفي بقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]؛ ولأن الله تعالى أجرى عادته بأن الدم لا يسيل في زمن الحيض دائمًا، بل يسيل تارة، ويمسك أخرى، وحالةُ إمساكه يُسمَّى: الفترات.
القول الرابع: النَّقاء المتخلِّل بين الدمين إذا كانت مُدَّتُه أقلَّ من ثلاثة أيامٍ فلا يكون فاصلًا وهو حيض، وإذا كانت مُدَّته خمسةَ عشر يومًا فأكثر، فيكون فاصلًا بين الدمين، وهو طهرٌ صحيح. وهذا ما ذهب إليه الحنفية.
وأمَّا اعتبار الطهر المتخلِّل ــ إن كان دون خمسة عشر يومًا ــ حيضًا؛ فلأن ما نقص عن هذه المُدّة طُهرٌ فاسدٌ؛ لأن أقلَّ الطهر خمسةُ عشر يومًا، فيكون الطُّهر الذي نقص عن هذه المدّة بمنزلة الدم المتوالي؛ لأنه لا يصلُح للفصل بين الحيضتين؛ فلا يصلح للفصل بين الدمين.
وأمَّا اعتبار الطهر المتخلِّل -إن كان خمسة عشر يومًا فأكثر- طُهرًا؛ فلأن هذه المدّة تصلح أن تكون طُهرًا.
ورأيُ غالب الأطباء أنَّ نزول دم الحيض يتخلَّله فتراتُ نقاءٍ طبيعية.
وقولنا: "يَوْمًا" هذا ليس على سبيل التعيين، لكن المقصود من هذا أنها تارةً ترى دمًا، وتارةً ترى طهرًا، فـ«يَوْمًا» على سبيل التمثيل فقط، أي: لو كانت ثلاث ساعاتٍ ترى دمًا، وثلاث ساعاتٍ ترى طُهْرًا، أو أربع ساعاتٍ دمًا، وأربع ساعاتٍ طُهرًا، أو يومًا كاملًا دمًا، ويومًا كاملًا طُهرًا. المهم إذا كانت ترى تارةً وتارةً تجمع الحيض، فإن تجاوز أقلَّه، ولم يتجاوز أكثرَه فحيض.
مثال ذلك: جمعت الدماء فكان أكثرَ من أربعة وعشرين ساعة وأقلَّ من خمسة عشر يومًا، فتعتبره حيضًا تأخذ فيه أحكام الحائضات.
والطُّهر يقول بعض الفقهاء: بأنه طُهر تأخذ فيه أحكام الطاهرات، وهذا في الحقيقة فيه نظر؛ لأننا هل نقول لامرأة رأت الطُّهرَ أربع ساعات: طهرت، هذا فيه نظر، فالدم بالنسبة للمرأة لا يخرج دائمًا، بل تارة يخرج، وتارة يرقأ.
والراجح: إذا كان انقطاعُ الدم لمدة يومٍ فأكثر، فإنها في هذا اليوم تأخذ فيه أحكام الطاهرات تصلي فيه وتصوم ونحو ذلك، أمَّا إذا كان هذا الانقطاعُ لمدة ساعتين أو ثلاثٍ أو خمسٍ أو عشر ساعاتٍ، فنقول: هذا الطُّهر الذي رأته يأخذ حكم الحيض، وهو اختيار ابن قدامة.
وقولنا: "والنَّقاءُ طُهْرٌ" يعني: أنها تغتسل فيه، وتصلي وتصوم.
وقولنا: "ما لم يَعْبُرْ أكْثَرَهُ" أي: إذا جمعنا هذه الدماء، ورأينا أنها أكثرُ من خمسة عشر يومًا، فنعتبرها استحاضةً، وإذا كان استحاضةً ترجع إلى أحكام المستحاضة، فنقول: هل أنت معتادة أو لا؟ فإذا قالت: مُعتادة، نقول: ارجعي إلى عادتك، وإذا كانت ليست مُعتادة ولها تمييز، ترجع إلى التمييز، وسبق بيان ذلك.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟