الإثنين 25 صفر 1448 هـ

تاريخ النشر : 25-03-2026

حكم قلب المأموم صلاته إلى الانفراد

الجواب

الحمد لله، صورة المسألة: رجل يصلي مع الجماعة، ثم نوى الانفراد، ففي هذه المسألة تفصيل: إن كان لغير عذر بطلت، وإن كان لعذر لم تبطل.
أمَّا الأوَّل؛ فلأنه يجب عليه أن يتابع الإمام، وانفرادُه تركٌ للمتابعة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث أنس -رضي الله عنه-: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا...» الحديث، وهذا قول جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
والشافعية -رحمهم الله- يجوِّزون ذلك؛ لأن المأموم قد يصير منفردًا بغيرِ نِيَّة، وهو المسبوق إذا سلَّم إمامه.
لكن يظهر من السُّنَّة أن الإنسان يجب عليه أن يتابع الإمام، وله مع الإمام أربع حالاتٍ، منها: المسابقة والتخلُّف، وأن كلًّا منهما مُحَرَّمٌ وسببٌ لبطلان الصلاة.
وأمَّا الثاني فلا بأس به كمرضٍ، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث جابرٍ -رضي الله عنه- في قصة معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: أنه صلى فقرأ سورة البقرة، فتأخر رجلٌ فصلى وحده، فقيل له: نافقت! فقال: لآتين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟»، وهذا في الصحيحين، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر على معاذٍ -رضي الله عنه-، ولِمَا رواه صالح بن خَوّاتٍ عمن صلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: «أن طائفة صفَّتْ معه، وطائفة وِجَاهَ العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجَاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم» متفقٌ عليه.
وعند الحنفية والمالكية: المنع مطلقًا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس -رضي الله عنه-: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا...» الحديث.
والراجح: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
ومَحلُّ إباحة المفارقة لعذر: إنِ استفاد بمفارقته تعجيلُ لحوقه لحاجته قبل فراغ إمامه، فإن كان إمامُه يعجل، ولا يتميز انفراده عنه بنوع تعجيل، لم يَجُزِ الانفراد؛ لعدم الفائدة.
فالضابط في كُلِّ ما سبق: "أن كُلَّ الانتقالات في الصلاة جائزةٌ". ويدخل عندنا صور:
الصورة الأولى: انتقال من كونه إمامًا إلى كونه مأمومًا.
مثال ذلك: رجلٌ صلى بالناس نائبًا عن الإمام الراتب، ثم جاء الإمام الراتب، فانتقل هذا الرجل من كونه إمامًا إلى كونه مأمومًا، فالحكم هنا صحيحٌ.
ويدلُّ لذلك: فعل أبي بكرٍ -رضي الله عنه- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فشرع أبو بكر -رضي الله عنه- يصلي بالناس، فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا خِفَّة ثم خرج فصلى بالصحابة، وانتقل أبو بكر -رضي الله عنه- من كونه إمامًا إلى كونه مأمومًا.
الصورة الثانية: عكس الصورة الأولى، وهي أن ينتقل من كونه مأمومًا إلى كونه إمامًا كما لو حصل للإمام عذر، ويدلُّ لهذا أن عمر -رضي الله عنه- لَمَّا طُعِن استخلف عبد الرحمن بن عوفٍ -رضي الله عنه-.
الصورة الثالثة: أن ينتقل من كونه منفردًا إلى كونه إمامًا، ودليل ذلك: ما ورد من حديث عائشة وابن عباسٍ -رضي الله عنهما-.
الصورة الرابعة: أن ينتقل من كونه منفردًا إلى كونه مأمومًا، ودليل ذلك: ما ورد من حديث أبي سعيدٍ وابن عباسٍ وعائشة -رضي الله عنهم-، فإن في هذه الأحاديث الانتقالَ إلى الإمامة، وكذلك الانتقالَ إلى الائتمام.
الصورة الخامسة: أن ينتقل من كونه مأمومًا إلى كونه منفردًا، ودليل ذلك: حديث جابرٍ -رضي الله عنه- في قصة معاذٍ -رضي الله عنه-، وحديث صالح بن خوَّات عمن شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم ذات الرقاع في صلاة الخوف، لكن هذه قيدناها بأن يكون من عذرٍ خلافًا للشافعية -رحمهم الله-.
الصورة السادسة: أن ينتقل من كونه إمامًا إلى كونه منفردًا، فهذه أيضًا لا بأسَ بها إذا كان لعذرٍ كحال المأموم.
فهذه الانتقالات جائزةٌ.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟