الحمد لله، يقول صاحب الزاد: "ثم يقرأ بعدها سورة" وظاهر كلامه أنه يسكت بعد قراءة الفاتحة وقبل أن يقرأ سورة؛ لقوله: "ثُمَّ"؛ لأنها تفيد الترتيب والتراخي، وهو المشهور من المذهب.
والسَّكَتات ثلاثٌ هي:
الأولى: بين التكبير والفاتحة، وهذا لا إشكالَ في مشروعيتها، فقد دلَّ لها حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين.
الثانية: أن يسكت بين قراءة الفاتحة والسورة.
الثالثة: أن يسكت بين القراءة والركوع.
والأقرب أن هاتين السكتتين تشرعان بحيث تكونان سكتتين لطيفتين بمقدار ما يرجع للإنسان نَفَسُه؛ لأن فيها مصالح:
أولًا: يترادّ إليه نَفَسُه.
ثانيًا: يفصل بين القراءة الواجبة والقراءة المستحبة.
ثالثًا: يفصل بين القراءة والركوع.
رابعًا: ينظر ويتأمَّل ما يقرأ بعد الفاتحة.
وقوله: "ثُمَّ يقْرأُ بعدها سورة" المذهب، وقول في مذهب المالكية ومذهب الشافعية: استحباب القراءة بعد الفاتحة؛ لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» متفقٌ عليه. فيفهم منه جواز الاكتفاء بها عما بعدها من القراءة.
وما رواه عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين» متفق عليه.
وعند الحنفية: أن القراءة بعد الفاتحة واجبة؛ لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَصَاعِدًا» رواه مسلمٌ.
ونوقش: بأن زيادةَ «فصاعدًا» شاذةٌ.
وقوله: "ثُمَّ يَقرأ بعدها سورة" ظاهر كلام المؤلف أن السُّنَّة أن يقرأ سورةً كاملةً وليست آيات، ولهذا ذكر ابن القيم أنه لم يُحفظْ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقرأ بآيات، وإنما هديه أن يقرأ سورة كاملة.
وإن كانت السورة طويلةً فقد قال بعض العلماء: يَقْسِمُها نصفين، ولا بأس أن يقرأ في بعض الأحيان آياتٍ من أوَّل السورة أو من وسطها أو من آخرها.
ويدلُّ لذلك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ في ركعتي الفجر في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب، وقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}[البقرة:136]، وفي الركعة الثانية: قرأ بفاتحة الكتاب وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران:64]. وثبت عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه: «استفتح البقرة، فقرأها في ركعتين» رواه عبد الرزاق.
وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أنه «قرأ آيتين من البقرة في ركعتين». رواه الدارقطني، وقال: "إسناده حسنٌ".
وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا لدليل.