الإثنين 17 جمادى الآخرة 1447 هـ

تاريخ النشر : 29-11-2025

حكم صيام رجب والنصف من شعبان وحكم إفراد الجمعة بالصوم

الجواب

س: ما حكم صيام شهر رجب ؟ 
ج: الحمد لله، صيام رجب ينقسم إلى أقسامٍ:
القسم الأول: أن يصومه وحده فقط دون بقية الشهور، فهذا مكروه.
القسم الثاني: أن يصوم قبله شهرًا أو بعده شهرًا مثل أن يصوم رجبًا وشعبان، أو أن يصوم جمادى الآخرة ورجبًا، ففي هذه الحال تزول الكراهة؛ لأنه لم يفرده.
القسم الثالث: أن يصوم بعض الشهر، أي: لا يصوم الشهر كله، فهذا جائزٌ؛ لأنه لم يفرد هذا الشهر بالصيام.

س: ما حكم صيام النصف من شعبان؟
ج: الحمد لله، صيام النصف من شعبان على وجهين:
الوجه الأول: أن يصومه بدون قصد تخصيصٍ، واعتقاد فضيلةٍ خاصةٍ، فيصومه على أنه يوم من أيام البيض، أو تطوع مطلق، أو لصيام كان يعتاده، فهذا مشروع لا كراهة فيه.
الأمر الثاني: أن يقصد تخصيصه معتقدًا فضله.
فهذا قد اختلف الفقهاء -رحمهم الله- في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: تخصيصه بالصوم محرَّم، وبه قال الشافعيَّة.
القول الثاني: إفراده بالصوم مكروه، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعدم الدليل الدال على فضيلة تخصيصه بالصيام، والأصل في العبادات التوقيف.
القول الثالث: استحباب صيامه، وبه قال المالكيَّة؛ لما روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كانتْ ليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ فقُومُوا ليلها وصُومُوا نهارها؛ فإنَّ اللهَ ينزِلُ فيها لغروبِ الشَّمسِ إلى سماءِ الدُّنيا، فيقولُ: ألا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فأَغْفِرَ له؟ ألا مُسْتَرْزِقٌ فأَرْزُقَهُ؟ ألا مُبْتَلًى فأُعَافِيَهُ؟ ألا كذا ألا كذا؟ حتَّى يطلُعَ الفجرُ» رواه ابن ماجه والبيهقي في الشُّعَب، وفي فضائل الأوقات، وهو حديثٌ موضوعٌ، فيه ابن أبي سَبْرةَ، وهو ممن رُمي بوضع الحديث.
والأحاديث التي وردت بالترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان وقيامها ونحوها حَكَمَ عليها جماعة من العلماء بالوضع، وبعضهم بالضعف، وأنه لا يصح منها شيء. 

س: ما حكم الصيام بعد النصف من شعبان؟
ج: الحمد لله، المذهب، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة: أنه يجوز الصيام بعد النصف من شعبان بلا كراهة؛ للأدلة الدالة على فضيلة صيام شعبان.
القول الثاني: أنه يحرم، ولا يصح الصيام بعد النصف من شعبان بلا سبب إن لم يَصِلْه بما قبله، وبه قال الشافعيَّة في الأصح؛ لما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا انْتَصَفَ شعبانُ، فلا تَصُومُوا» رواه أبو داود. وهو حديث منكر، قاله عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة، والأثرم، وقال الإمام أحمد: "لم يرو العلاء حديثًا أنكر منه" وردَّه بحديث: «لا تَقَدَّمُوا رمضانَ بصومِ يومٍ ولا يومينِ إلَّا رجلٌ كان يصومُ صومًا، فلْيَصُمْهُ»؛ فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.

س: ما حكم إفراد صيام يوم الجمعة؟
ج: الحمد لله، يُكره إفراد الجمعة إذا لم يَصم بعده أو قبله يومًا، وهو المذهب ومذهب الشافعيَّة؛ لأحاديث النهي.
ونص الشافعيَّة، والحنابلة: أنه لو وافق عادةً لا يُكره إفراده، كما لو وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء، فلا يُكره؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يصومنَّ أحدُكُم يومَ الجمعةِ، إلَّا يومًا قَبْلَهُ أو بعدَهُ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وفي روايةٍ: «لا تَخْتَصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ مِن بينِ اللَّيالي، ولا تَخُصُّوا يومَ الجمعةِ بصيامٍ مِن بينِ الأيَّامِ، إلَّا أنْ يكونَ في صومٍ يصُومُهُ أحدُكُم» رواه مسلمٌ.
وهذا دليلٌ على أنه إذا لم يقصد التخصيص فلا يُكره، كما لو وافق يومًا يعتاد صومه، أو كان عن قضاءٍ، ونحو ذلك.
وقوله في الحديث: «إلَّا أنْ يكونَ في صومٍ يصُومُهُ أحدُكُم» دليلٌ على عدم التحريم؛ إذ لو كان النهي للتحريم لما استثنى.
وعند أبي حنيفة ومالك: لا يُكره إفراد يوم الجمعة بالصوم؛ لما روى ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قلَّما كان يفطر يوم الجمعة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، والترمذي، وقال: "حسن غريب" في إسناده عاصم بن أبي النجود صدوق له أوهام.
ونوقش هذا الاستدلال: أن فيه ضعفًا، ولو ثبت فحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين مقدمٌ عليه.
وحمله ابن عبد البر والمجد وابن القيم: على صومه مع ما قبله أو بعده.
وعن جَبَلةَ بن سُحيم قال: "سمعت ابن عمرَ -رضي الله عنهما- سُئِل عن صوم يوم الجمعة ويوم عرفة، فأمر بصيامهما" رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار.
ونوقش هذا الاستدلال: أن المراد صيام الجمعة مع يوم قبله أو بعده؛ لأدلة القول الأول.
قال مالك: "لم أسمع أحدًا ممن يُقتدى به ينهى عنه".
قال الداودي: "لعل النهي ما بلغ مالكًا".
وفي رواية عن أحمد، وبه قال إبراهيم النخعي ومجاهد والشعبي وابن سيرين وابن حزمٍ وشيخ الإسلام ابن تيمية: منع إفراده بالصوم.

س: ما الحكمة من النهي عن إفراد صيام يوم الجمعة؟
ج: الحمد لله، الحكمة في ذلك شيئان:
الأول: لئلا يُتوهم أن صومه أفضل من غيره؛ وذلك لأن الشارع لما خصَّه بأنواع من الطاعات وبيَّن فضله كان مظنّة أن يتعمق المتعمقون، فيُلحقوا به الصوم، فسدَّ الشارع باب التعمق في ذلك.
الثاني: ليتحقق معنى العيد؛ فإن العيد يُشعِر بالفرح والسرور واستيفاء اللذة، وليس معنى ذلك أن يكون بدرجة عيد الأضحى، وعيد الفطر؛ ولذا رُخِّصَ في صيامه مع يومٍ قبله أو بعده، كما رُخِّصَ في أيام التشريق أن يُصمن لمن لم يجد الهدي مع أنها أيام عيد.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].


هل انتفعت بهذه الإجابة؟