الحمد لله، الفذُّ: هو الفرد، وخلفه أي: خلف الإمام.
فلا تَصِحُّ صلاة الفذِّ خلف الإمام أو خلف الصف.
وهذه المسألة من مفردات الإمام أحمد -رحمه الله-، وهي أن الصلاة خلف الصف لا تَصِحُّ، فإذا صلى ركعةً فأكثر خلف الصف فإن صلاتَه غيرُ صحيحة.
الرأي الثاني: أن الصلاة خلف الصف صحيحةٌ، وهذا قول جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
الرأي الثالث: أن الصلاة خلف الصف تَصِحُّ إذا لم يجد موقفًا في الصف، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-.
واستدلَّ الحنابلة -رحمهم الله- بأدلة، منها:
أولًا: حديث علي بن شيبان -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه والبيهقي وابن حبان وغيرهم. قال الإمام أحمد: «حديث حسن».
ثانيًا: حديث وابصة بن معبدٍ -رضي الله عنه-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي خلف الصف، فأمره أن يعيدَ الصلاة» أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصحَّحه الإمام أحمد وابن خزيمة، وحسَّنه الترمذيّ.
واستدلَّ الجمهور: بحديث أنس -رضي الله عنه-، وفيه: «فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واليتيم معي والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين» متفقٌ عليه. فقد وقفت العجوز خلف الصف، وما جاز للمرأة جاز للرجل.
وبحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- «لَمَّا أداره النَّبي -صلى الله عليه وسلم- من ورائه، ولم يؤمر بالإعادة» متفقٌ عليه.
فحينما أداره النَّبي -صلى الله عليه وسلم- من وراء ظهره، قد صلى جزءًا من الصلاة خلف الصف، ولم يأمره النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعادة.
وبحديث أبي بكرة -رضي الله عنه- «أنه انتهى إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وهو راكع قبل أن يَصِلَ إلى الصـف، فذكر ذلـك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقـال: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُـدْ» رواه البخاريُّ.
واستدلَّ شيخ الإسلام: بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وبأن الواجبات تسقط مع العجز.
ولعلَّ ما ذهب إليه شيـخ الإسـلام: أقربُ الأقـوال، وأمَّـا ما استدلَّ بـه الجمهور: فحديث أنس -رضي الله عنه- فيه قياس المرأة على الرجل في هذه المسألة، وهو غير مسلَّم؛ لأن المرأة ليس لها مجالٌ في مصافِّ الرجال ولو في أماكن العبادة، ولذلك خير صفوف النساء آخرها. وأيضًا: وقوف المرأة خلف الصف مأمور به، ووقوف الرجل خلف الصف منهي عنه، فلا يقاس المأمور به على المنهي عنه.
وأمَّا حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: فإن المدار خلف الصفِّ لا يُسمى مُصليًّا.
وأمَّا حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-: فقد دخل في الصف قبل أن يرفع النَّبي -صلى الله عليه وسلم- رأسه من الركوع، فقد أدرك الاصطفاف المأمور به، وهو ما يكون مدركًا به الركعةَ، فهو بمنزلة مَنْ صَفَّ وحده ثُمَّ جاء آخر فصافَّهُ في القيام.