الثلاثاء 2 ذو الحجة 1447 هـ

تاريخ النشر : 09-04-2026

حكم رد المصلي المار بين يديه وما الحكم إذا غلب المار المصلي ؟

الجواب

الحمد لله، الظاهر من كلام بعض الفقهاء: أنَّ هذا مباحٌ، وهذا ليس على ظاهره، بل ردَّ المارَّ بين يدي المصلي على المشهور من المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم: مستحبٌّ.
وعن الإمام أحمد وبه قال ابن حزمٍ: أنه واجبٌ؛ لظاهر الأمر.
ويدلُّ لذلك: حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» رواه مسلمٌ.
والأقرب في ذلك: أن ردَّ المارِّ بين يدي المصلي مستحبٌّ؛ لأمر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، لكن قد يكون واجبًا إذا كانت الصلاة يجب إتمامها مثل صلاة الفريضة، ومرَّ مَنْ يقطعها، فإنه يجب عليه أن يَرُدَّه، والذي يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، أمَّا ما عدا ذلك فإنه لا يجب عليه أن يُتِمَّها. والظاهر: أنه لا فرقَ بين ردِّ المارِّ في مكةَ أو في غيرها، والمشهور من المذهب أنه يردُّ المارَّ إلا إذا كان في مكةَ.
وعند الجمهور: لا فرقَ بين مكةَ وغيرها في دفع المارِّ، واستدلَّ الجمهور بعمومات الأمر بدفع المارِّ.
وعند المالكيَّة: يجوز المرور بين يدي المصلي داخل المسجد الحرام.
وعن صالح بن كيسان قال: "رأيت ابن عمرَ -رضي الله عنهما- يصلي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمرُّ بين يديه" رواه البخاريُّ مُعلَّقًا بصيغة الجزم.
واستدلَّ الحنابلة: بما رواه المطلب بن أبي وداعة -رضي الله عنه- «أنه رأى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وغيرهم. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وضعَّفه ابن عيينة، وأشار البخاريُّ إلى تضعيفه.
وبما رواه ابن أبي عمار قال: "رأيت ابن الزبير -رضي الله عنهما- طاف بالبيت، ثم جاء وصلى، والطواف بينه وبين القبلة، قال: تمرُّ بين يديه المرأة، فينتظرها حتى تَمُرَّ، ثم يضع جبهته في موضع قدميها" رواه ابن المنذر في الأوسط، وعبد الرزاق.
ونوقش أيضًا: بأن حاشية المطاف هي مَحلُّ الطواف، فمَن صلى فيها قريبًا من الطائفين جاز لهم المرور بين يديه، ولأن الناس يكثرون بمكةَ لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، ومن القواعد في الشريعة المقررة: أن المشقة تجلب التيسير.
ونوقش: بأن الزحام في مكةَ وفي المسجد الحرام ليس في كُلِّ الأوقات، وإنما في أيامٍ وأوقاتٍ معينةٍ.
الراجح: هو تحريم المرور بين يدي الإمام والمنفرد داخل المسجد الحرام، إلا إذا صلى في طرقات المسجد الحرام، أو في حاشية المطاف قريبًا من الطائفين؛ لأن المكان حقٌّ للطائفين، فإنه يجوز لهم المرور بين يديه إذا احتاجوا إلى ذلك.

س: وما الحكم إذا غلب المارُّ المصلي؟
ج: الحمد لله، مَحَلُّ ذلك ما لم يغلبه المارُّ، فإن غلبه لم يَرُدَّهُ؛ لحديث أُمِّ سلمة -رضي الله عنها-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي في حجرتها، فمرَّ بين يديه عبد الله أو عمرُ بن أبي سلمة، فقال بيده فرجع، فمرَّتْ زينبُ فقال بيده هكذا فمضت، فلمَّا صلى قال: هن أغلب» رواه أحمد وابن ماجه. وهو ضعيفٌ.
والظاهر: سواءٌ كان بين يديه سترةٌ فمرَّ دونها، أو لم تكن فمرَّ قريبًا منه، وقيل: قدر خطوتين، بحيث لو مشى وردَّه لم تبطل، وصرَّح به في الكافي؛ لأنه موضعُ سجوده أَشْبَهَ مَنْ نصب سترةً.

س: هل تنقص صلاة من لم يرد مارًّا بين يديه وهو قادرٌ على ردِّه؟
ج: الحمد لله، تنقص صلاة مَن لم يَرُدَّ مارًّا بين يديه، وهو قادرٌ على ردِّه.

س: هل يرده ولو كان المار صغيرًا؟
ج: الحمد لله، الظاهر: ولو كان المارُّ صغيرًا؛ للعموم، ولحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُصلي، فمرَّت شاةٌ بين يديه، فسَاعَاها إلى القِبلة حتى ألصق بطنه بالقِبلة» رواه ابن خزيمة، وابن حبـان، والحاكم، وصحَّحه على شرط البخاريِّ.

س: في أي حالة لا يأثم المار بين يدي المصلي؟
ج: الحمد لله، استثنى الشافعيَّة مِنْ تأثيم المارِّ ما إذا تعدَّى المصلي بصلاته في المكان، كأن يقف في مكان مرور الناس، مثل قارعة الطريق، ونحوه، وكذلك إذا مرَّ بين صفوف المأمومين، فلا يُعدُّ المارَّ بينها قاطعًا لها، ولا يأثم؛ لأن سترة الإمام سترةٌ لهم.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟