الحمد لله، لو حلق قبل أن يرمي وينحر، فإن ذلك جائزٌ، ولا بأس به، وهذا أيضًا مذهب الحنابلة والشافعيّة؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، وفيه: «وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله، إني حلقت قبل أن أرمي، فقال: ارْمِ وَلَا حَرَجَ.. فما رأيته سُئل يومئذٍ عن شيء إلا قال: افعلوا ولا حرج» متفقٌ عليه، واللفظ لمسلمٍ.
ولحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: قال رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «زرت قبل أن أرمي، قال: لَا حَرَجَ. قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لَا حَرَجَ» رواه البخاريّ.
وعند المالكيَّة: لا يحلق إلا بعد رمي جمرة العقبة، وإلا لزمه دمٌ؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}[البقرة:196]، فالله أوجب الفدية على مَن حلق قبل التحلل، والتحلل عندهم بالرمي.
ونوقش: بأن الفدية وجبت على مَن حلق قبل التحلل لفعله محظورًا، بخلاف مَن حلق يوم النحر فهو نسكٌ؛ لدخول وقت التحلل.
وعند الحنفيَّة: أنه لا يحلق إلا بعد رمي جمرة العقبة ونحر الهدي؛ لقوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}[الحج:28]، {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}[الحج:29]، فالله أمر بذكره أولًا، والمراد عند نحر البدن، ثم عطف على ذلك قضاء التفث الذي هو الحلق، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى، ثم نحر، ثم حلق.
ونوقشت هذه الأدلة: بحملها على الاستحباب؛ لأدلة الرأي الأول.
والمعلوم أن التحلل الأول يحصـل باثنين معينين: الرمي والحلق أو التقصير.
التحلل الثاني: يحصل بتمام الثلاثة؛ وذلك بأن يطوف ويسعى، فإذا طاف وسعى فقد حصل له التحلل الثاني.
والدليل على أن الطواف يحصل به التحلل الثاني: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشةَ -رضي الله عنها- لَمَّا طافت بالكعبة والصفا والمروة: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» أخرجه مسلمٌ. وهو قول الجمهور.
وعند الحنفيَّة: إذا طاف للإفاضة حصل له التحلل الثاني دون السعي؛ لأنهم يرون وجوبه دون ركنيته.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟