الحمد لله، من محظورات الإحرام الجماع، وهو أغلظ المحظورات، وقد دلَّ عليه القرآن وآثار الصحابة -رضي الله عنهم- والاتفاق، أما القرآن فقول الله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}[البقرة:197].
والرَّفث كما ورد عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- الجماع، وأيضًا ورد عن ابن جرير -رحمه الله- أن المراد بالرفث هو الجماع، وورد عن ابن عمر وابن عباسٍ وعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهم-.
والجماع في الحجّ لا يخلو من أقسام:
القسم الأول: أن يجامع قبل أن يقف بعرفة، فهذا يَفسد حجُّه باتفاق الأئمة.
القسم الثاني: أن يجامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فيَفسد نسكُه، وهذا هو المذهب ومذهب المالكيَّة والشافعيّة.
وعند الحنفيَّة: إذا كان الجماع بعد الوقوف بعرفة فلا يَفسد حجُّه.
واستدلَّ الجمهور بآثار الصحابة -رضي الله عنهم- بفساد المجامع من غير استفصالٍ ولا تفصيل، وذلك يوجب عموم الحكم.
واحتجَّ الحنفيَّة: بحديث عبد الرحمن بن يَعْمَرَ الدِّيلي مرفوعًا: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» رواه أحمد وأبو داود والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجه. وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- علَّق التمام بالوقوف بعرفـة، والتمام هنا باعتبار أمن الفسـاد والفوات.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» يعني: معظمه؛ إذ هو متروك الظاهر بالإجماع؛ لأنه لا يُسمَّى الوقوف حجًّا؛ إذ لا بُدَّ في الحجِّ من الطواف وغيره من الأعمال.
واستدلوا كذلك: بأنه منقولٌ عن ابن عباسٍ، ذكره ابن حزمٍ.
ونوقش: بأنه قد نُقِل عن ابن عباسٍ خلافُه.
وما ذهب إليه جمهور أهل العلم هو الصواب. وعلى هذا نقول: بأنه إذا جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول يَفسد نسكه، ويترتب على هذا الجماع أمور:
الأمر الأول: فساد النسك، كما هو قول جمهور أهل العلم، ولهذا قال الحجاوي في الزاد -رحمه الله-: "فسدَ نسكُهما".
الأمر الثاني: أنه يجب عليهما أن يمضيا في النسك الفاسد؛ لِمَا روى يزيد بن نعيم: أن رجلًا من جُذَامَ جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لهما: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأهْدِيَا هَدْيًا، ثُمَّ ارْجِعَا، حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا تَفَرَّقَا، وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَيْكُمَا حِجَّةٌ أُخْرَى، فَتُقْبِلَانِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا، وَأَتِمَّا نُسُكَكُمَا، وَأهْدِيَا» رواه أبو داود في المراسيل، وفي التلخيص: "رجاله ثقاتٌ مع انقطاعه".
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في رجلٍ وقع على امرأته وهو محرمٌ، قال: «اقضيا نسكَكما، وارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين، فإذا أحرمتما فتفرَّقا، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسكَكما، وأَهديا هديًا» رواه البيهقيّ، وإسناده صحيحٌ.
وعن مالكٍ: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة -رضي الله عنهم- سئلوا: عن رجلٍ أصاب أهله وهو محرمٌ بالحجِّ، فقالوا: «ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجَّهما، ثم عليهما حجٌّ قابل والهدي»، وهذا منقطع.
ولِمَا جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رجلًا أتاه، فسأله عن محرمٍ وقع بامرأةٍ، فقال له: «بطل حجُّك». فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: «اخرج مع الناس، واصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلًا فحجَّ وأَهدِ». ووافقه على ذلك ابنُ عباسٍ وعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، رواه البيهقيُّ، وصحح إسناده.
يؤيِّد ذلك: أن الحجَّ يتميز عن غيره بوجوب الإتمام؛ لقول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}[البقرة:196]، وهذا يشمل حتى الفاسد، وأيضًا: فالله تعالى جعله كالنذر في قوله سبحانه: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}[الحج:29]، والنذر لا بُدَّ من إتمامه.
فالحجُّ أو العمرة لا يمكن للإنسان أن يخرج منها إلا بواحدٍ من أمورٍ ثلاثةٍ: إمَّا أن يُتِمَّ النسك، وإمَّا أن يحصل له إحصار، وإمَّا العذر إذا شَرَطَه في ابتدائه.
وعند الظاهرية: أنه لا يجب عليه أن يَمضي في النسك الفاسد؛ لأنه فاسدٌ، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}[يونس:81]، وهذا ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا مخالفٌ لِمَا ورد عن الصحابة -رضي الله عنهم-، ومخالفٌ لظاهر القرآن من وجوب الإتمام فيستثنى، فالصواب في ذلك: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
الأمر الثالث: يجب عليهما القضاء، ولا فرقَ بين كونه فرضًا أو نفلًا، حتى وإن كان تطوُّعًا يجب عليهما أن يقضياه؛ لأنه إذا أحرم الإنسان بنفل الحجِّ أو العمرة يجب عليه أن يُتِمَّهُما؛ لقول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}[البقرة:196]، وأيضًا قول الله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}[الحج:29]، حتى وإن كان تطوُّعًا يجب عليهما أن يُتمَّا هذا النذر، وهو الحجّ الذي شرَعَا فيه.
وأيضًا: هو الوارد عن الصحابة كما ورد عنهم -رضي الله عنهم-.
ويقول الحجاوي في الزاد -رحمه الله-: "ثاني عامٍ". وهذا مبنيٌّ على أن الحجَّ يجب على الفور، فإن كان هذا الحجُّ الذي فَسدَ فرضًا فالأمر في ذلك ظاهر، وإن كان نفلًا فإن هذا النفل بالشروع فيه صار واجبًا يجب إتمامه. وعلى هذا: يجب قضاء هذا الفاسد على الفور، سواءٌ كان فرضًا أو نفلًا، وهو الوارد عن الصحابة، فإن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «فإن أدركت قابلًا فحجَّ وأَهدِ»، وهذه الآثار عن الصحابة تؤيِّد ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن الحجَّ يجب على الفور، بخلاف ما ذهب إليه الشافعيّة -رحمهم الله-.
الأمر الرابع: التوبة، فيجب عليهما أن يتوبا، إن كانا عالِمَين عامدين.
والأمر الخامس: الفدية. والفدية في الجماع قبل التحلل الأول فديةٌ مغلظةٌ وهي بَدَنةٌ؛ لورود ذلك عن الصحابة -رضي الله عنهم-.
لكن عندنا قاعدة وهي: "أن سائر المحظورات سواءٌ كان في الصيام أو في الحجِّ أو في الصلاة أو غير ذلك لكي يترتب عليها أثرها وحكمها لا بُدَّ من هذه الشروط الثلاثة:
الشرط الأول: الذِّكْر.
الشرط الثاني: العلم بالحال والحكم الشرعي.
الشرط الثالث: الاختيار".
إذن يترتب على الوطء قبل التحلل الأول خمسة أمور:
الأمر الأول: فساد النسك.
الأمر الثاني: المضي في النسك الفاسد.
الأمر الثالث: القضاء.
الأمر الرابع: الفدية، وهي بَدَنةٌ.
الأمر الخامس: التوبة.
القسم الثالث: إذا وطئ بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني؛ فلا يَفسدُ نسكُه، والقضاء لا يجب عليهما؛ لأن النسك لم يفسدْ. إذن سقط عنه اثنان، وبقي عليه ثلاثة: التوبة، والفدية، وتجديد الإحرام.
وعلى هذا: مَنْ وطئ بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني تلزمه ثلاثة أمور:
الأمر الأول: التوبة.
والأمر الثـاني: الفديـة، وهذه الفدية هي فدية أذًى. مُخيَّر بين أن يطعم ستة مساكين، وبين أن يصوم ثلاثة أيام، وبين أن ينسكَ دمًا.
والأمر الثالث: تجديد الإحرام، فيخرج ويجدِّد الإحرام. وهذا هو المذهب: أن مَنْ وطئ بعد التحلل الأول قبل طواف الإفاضة أن عليه أن يأتي بإحرامٍ جديدٍ؛ لأن الجماع أفسده، وإذا فسد إحرامُه لزمه أن يُحْرِم ليأتيَ بالطواف في إحرامٍ صحيحٍ.
وعند المالكيَّة: يأتي بإحرامٍ جديدٍ وعمرةٍ، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه مروي عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-؛ لِمَا في الموطأ عن عكرمة قال: لا أظنه إلا عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أنه قال: «الذي يصيب أهله قبل أن يُفيض يعتمر ويُهدي».
وعند الحنفيَّة، والشافعيّة: لا يلزمه أن يجدِّد إحرامه؛ لأنه إحرام لا يفسد جميعه فلم يفسد بعضه، كما لو وطئ بعد التحلل الثاني، ولأنه لَمْ يَرِدِ القول بتجديد الإحرام عن أحد من الصحابة.
[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟