الحمد لله، الأموال الزكوية لا تخلو من أمرين:
الأول: أن تكون سائمةً أو من النقدين أو عروض تجارةٍ، فالمذهب: يجوز التعجيل لحولين.
فمثلًا: عنده نصابٌ أربعون شاة، وأراد أن يعجِّل الزكاة قبل الحول لمحتاج، لعامين شاتين جاز.
مثال آخر: عنده ألف ريال والحول لا يحول عليه إلا في رمضان، فأراد أن يعجل لعامين، فالألف زكاته خمسة وعشرون ريالًا، فيخرج خمسين ريالًا لحولين قادمين.
واستدلوا على ذلك:
أولًا: بحديث عليٍّ -رضي الله عنه- «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- تعجَّل من العباس صدقة سنتين» أخرجه الدارقطني، وأبو عبيد. لكن هذا الحديث ضعيفٌ.
ثانيًا: قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا» رواه مسلمٌ.
قالوا: بأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- تعجل صدقة العباس -رضي الله عنه- لمدة عامين.
وذكر شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله- أن قوله في حديث العباس -رضي الله عنه-: «فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا» من باب التضعيف عليه؛ لكونه احتمى بقرابته من النَّبي -صلى الله عليه وسلم-.
وعند الشافعيَّة وهو الأقرب: لا يجوز تعجيل الزكاة إلا لعامٍ واحدٍ فقط، ولا يجوز لأكثر من ذلك؛ لأن النص لم يرد بتعجيلها أكثر من عام واحد، حديث علي -رضي الله عنه-: «أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ؟ فرخص له في ذلك» رواه أحمد، وأبو داود والترمذي وابن ماجه، صححه ابن الجارود، وحسنه البغوي، ورجح إرساله أبو حاتم، وأبو داود، وأبو زرعة والدارقطني، وله شواهد، قال ابن حجر: "وليس ثبوت تعجيل صدقة العباس ببعيد"؛ ولأن تعجيل الزكاة لأكثر من عام تعجيلٌ لها قبل انعقاد حولها، فأشبه ما لو عجَّلها قبل تمام نصابها.
وعند المالكيَّة: يجوز لشهر مع الكراهة؛ لأنه ربما يموت أو يستغني أو يرتد مَن أخذها قبل الحول.
ولأنه إذا بقي لحولها ثلاثون يومًا ونحوها فقد دخل شهر زكاته، وكان ذلك أول وقت الأداء، وقد يكون بالفقراء حاجةٌ فيُتسامح في إخراجها ويكون ذلك أصلح للفقراء.
وعند بعض الشافعيَّة: لا يجوز مطلقًا؛ لما تقدم من وجوب الزكاة عند تمام الحول.
وعند الحنفيَّة: يجوز التعجيل مطلقًا؛ لوجود السبب، وهو ملك النِّصاب.
الثاني: أن تكون من الحبوب والثمار.
تعجيل إخراج زكاة الزروع قبل الزراعة ووضع البذر في الأرض لا يجوز بالإجماع؛ لأنه تعجيل قبل وجود السبب، فهو كما لو عجَّل زكاة المال قبل ملك النِّصاب.
وعند الحنفيَّة والحنابلة: يجوز التعجيل بعد طلوع الطَّلع والحِصْرَم (أول العنب) وظهور الزرع؛ إذ وجود الزرع وطلوع الثمر بمنزلة النِّصاب، والإدراك بمنزلة الحول، فجاز تقديمها عليه كتقديم زكاة المال على الحول.
وعند المالكيَّة، والشافعيَّة: لا يجوز تعجيل زكاة الزرع والثمر إلا بعد اشتداد الحَب، وطيب الثمر؛ لأن هذه الزكاة تجب بسببٍ واحدٍ وهو بدوُّ الصلاح واشتداد الحب، فلم يجز التقديم، كما لو قدَّم زكاة المال على النِّصاب.
ونوقش: بأن لهذه الزكاة سببين: ظهور الثمرة، وبدو الصلاح، وبدو الصلاح بمنزلة حَوَلان الحول، فجاز التقديم عليه.
وعلى هذا: فالأقرب: الجواز.
إذا عجَّل الزكاة، ثم تغيرت حال الآخذ فما الحكم؟
الحمد لله، إذا عجل الزكاة، ثم تغيرت حال الآخذ لكونه مات أو ارتد أو اغتنى عند حولان الحول هل تجزئ أو لا تجزئ؟
نقول: بأنها تجزئ، والقاعدة في ذلك: "أن ما ترتب على المأذون غير مضمونٍ".
ما الحكم إذا نقص المال بعد تعجيل زكاته؟
الحمد لله، فهنا حالتان:
الحال الأولى: أن يكون النقص بقدر ما عجَّله، كأن يُعجل زكاة أربعين من الغنم، ويحول الحول وليس في ملكه إلا تسعٌ وثلاثون.
القول الأول: أن ما عجَّله يجزئه، ويقع زكاة عن هذا المال، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة؛ لأن سبب الزكاة هو ملك النِّصاب، وقد وُجد ذلك السبب وقت الإخراج، فجاز التعجيل لوجود السبب.
القول الثاني: أن ما عجَّله لا يكون زكاة، وتقع تطوعًا إن كانت قد صُرفت للفقراء، وإن كانت قائمة في يد الساعي أو الإمام أخذها؛ لعدم كمال النِّصاب، وهو مذهب الحنفية.
الحـال الثانية: أن ينقص أكثر مما عجَّله، فقد خرج بذلك من كونه سببًا للزكاة، مثل: من له أربعون شاةً فعجَّل شاةً، ثم تَلِفَتْ أخرى فقد خرج عن كونه سببًا للزكاة، فإن زاد بعد ذلك إما بنتاجٍ أو شراء ما يتم به النِّصاب استُؤنف الحول من حين كمل النِّصاب ولم يجزِ ما عجله عنه.