الحمد لله، انكشاف العورة في الصلاة لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون ذلك عمدًا، أي: يتعمّد رفع ثوبه حتى تظهر عورته، فهذا يُبطل الصلاة مطلقًا، سواءٌ كان الذي ظهر قليلًا أو كان كثيرًا، وسواء كان الزمن قليلًا أو كثيرًا.
الأمر الثاني: أن يكون ذلك عن غير عمدٍ، فهذا تحته ثلاث حالاتٍ:
الحال الأولى: أن يطول الزمن، ويفحش المنكشف لكثرته، فإن الصلاة تبطل؛ لأن الظاهر أنه مفرِّط.
الحال الثانية: أن يفحش المنكشف، لكن الزمن قصير، فإن الصلاة لا تبطل، وهو قول الحنفية والحنابلة؛ قياسًا على الانكشاف اليسير للعورة، فإنه غير مبطلٍ للصلاة، فكذلك الانكشاف الكثير في الزمن اليسير، بجامع أن كلًّا منهما يشقُّ التحرز منه.
وعند المالكية والشافعية: صلاته باطلةٌ بذلك الانكشاف؛ لأن ستر العورة شرطٌ من شروط صحـة الصلاة، فإذا بطل ذلك الشرط ولو زمنًا يسيرًا بطلت ببطلانه الصلاة.
ونوقش: بأن الأدلة قد دلَّت كما في حديث عمرِو بن سَلِمةَ -رضي الله عنهما- على أنه يُعفى عن الانكشاف اليسير للعورة، ويقاس عليه الانكشاف الكثير في الزمن اليسير، وذلك للمشقة.
الحـال الثالثة: ألّا يفحشَ المنكشف، فإن الصلاة لا تبطل، وهو قول الحنفية والحنابلة.
ويدلُّ لعدم بطلان الصلاة: حديث عمرِو بن سَلِمةَ -رضي الله عنهما-، وفيه: «فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَغِيرَةٌ صَفْرَاءُ، فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَكَشَّفَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ. فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحِي بِهِ»، وفي رواية: «أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟!» رواه البخاري. ولأن الثياب ولا سيما ثياب الفقراء لا تخلو في الغالب من خرقٍ أو فتقٍ، والاحتراز من ذلك يشقُّ، فعُفِيَ عنه كيسير الدم.
وعند الشافعية: تبطل الصلاة باليسير؛ لعموم الأدلة الدالة على اشتراط ستر العورة لصحة الصلاة.
والمعتمد عند كثير من المالكية: أن المرأة تبطل صلاتها بانكشاف عورتها مطلقًا، وأمَّا الرجل فالانكشاف اليسير للعورة المغلظة تبطل به الصلاة، والانكشاف اليسير للعورة المخففة لا تُبطل به الصلاة، بل تَصِحُّ معه؛ للجمع بين أدلة القول الأول والقول الثاني. وأمَّا التفريق بين المرأة والرجل؛ فلأن عورة المرأة أغلظُ من عورة الرجل؛ لأن المرأة كُلَّها عورة بخلاف الرجل.
ومع اتفاق الحنفية والحنابلة على أن اليسير لا يُبطل الصلاة، إلا أنهم اختلفوا في تحديد اليسير والكثير: فالمصطلح عند الحنفية: التقدير بربع العضو، فإذا انكشف ربع العضو كان كثيرًا يوجب الإعادة، وأقلُّ من ذلك يسير يُعفى عنه؛ لأن الشرع أقام الربع مقام الكُلِّ في كثير من المواضع، كما في حلقِ الرأس في حقِّ المحرم، ومسحِ ربع الرأس في الوضوء، ونحو ذلك.
ونوقش: بعدم التسليم بأن الشرع أقام الربع مقام الكُلِّ في كثيرٍ من المواضع مما ذكر.
وعند الحنابلة: المرجع في ذلك إلى العرف، فحدُّ الكثير ما فحش في النظر، ولا فرق بين الفرجين وغيرهما، واليسير ما لا يفحش، إلا أن المغلظة يفحش منها ما لا يفحش من غيرها؛ لأن الشرع لم يَرِدْ بتقدير الحدِّ الفاصل بين الانكشاف اليسير والانكشاف الكثير، فيُرجع في ذلك إلى العرف والعادة.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟