الحمد لله، قال صاحب الزاد: "لا يجوز الكلام والإمام يخطب" فهذا المذهب وهو مذهب الحنفيَّة: يحرم الكلام، ويجب الإنصات، ولو حال الدعاءِ، وتباح مخاطبة الإمام لحاجة.
وهذا إذا دخل مع الإمام، أمَّا إذا لم يدخل مع الإمام كما لو سمعه من خارج المسجد فيجوز له أن يتكلم؛ لأنه إذا دخل المسجد يكون في حكم المأمومين، أمَّا قبل ذلك فليس في حكمهم؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}[الأعراف:204]، فعن مجاهد وعطاء: أنها نزلت في شأن الخُطبة.
ولِما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» متفقٌ عليه.
ولِمَا رواه أُبي بن كعبٍ -رضي الله عنه- قال: «قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة تبارك، وهو قائمٌ، فذكّرنا بأيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني، فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ إني لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلمَّا انصرفوا، قال: سألتك: متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني؟ فقال أُبي: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذَكَرَ ذلك له، وأخبره بالذي قال أُبيٌّ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: صدق أُبيٌّ» رواه ابن ماجه وأحمد. قال في الزوائد: إسناده صحيحٌ، ورجاله ثقاتٌ، إسناده حسن، الدراوردي، وشريك بن أبي نمر صدوقان.
وأمَّا الدليل على إباحة مخاطبة الإمام لحاجة: فما رواه أنسٌ -رضي الله عنه- قال: «فبينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وعند المالكيَّة: يجوز ذكر كتسبيحٍ وتهليلٍ سِرًّا حال الخُطبة، ومنع الكثير، والجهر باليسير، قال بعض: ولعـلَّ المراد بالمنع الكراهة، وأمَّا الجهر بالكثير فيحرم قطعًا.
وعندهم أيضًا: يحرم الكلام حال الخُطبة إن كان بالمسجد أو رحبته لا خارجهما ولو سمعها، ويجوز الكلام عندهم إذا لغا الإمام في خطبته، أي: أتى بكلامٍ لغوٍ، أي: سـاقطٍ كأن يسبَّ مَن لا يجوز سبُّه، أو يمدحَ مَن لا يجوز مدحُه، أو يتكلمَ بكلامٍ خارجٍ عن قانون الخُطبة، فيجوز الكلام حينئذٍ.
وعند الشافعيَّة: لا يحرم الكلام، ولكنه يُكره، ويُستحبُّ الإنصات؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- في قصة الأعرابي مع النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، واستسقائه في خُطبة الجمعة.
ونوقش: بأنه أمرٌ عارضٌ لمصلحةٍ عامة.
ولِمَا رواه أنس -رضي الله عنه- «أن رجلًا قـام والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعـة، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
ونوقش: بعدم العلم بالنهي.
قال صاحب الزاد: "إلَّا له" أي: يجوز الكلام للخطيب لمصلحة، كما علَّم النَّبي -صلى الله عليه وسلم- سُليكًا الغطفاني.
قال صاحب الزاد: "أو لمن يكلمه" أي: يجوز الكلام لِمَن يكلِّم الخطيب لمصلحةٍ، كما حصل أيضًا لسُليك الغطفاني فإنه أجاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله: «أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ» قال: «لا».
والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقطع خطبته للحاجة، ويكلِّم الصحابة، وينزل -صلى الله عليه وسلم- من المنبر للحاجة كما نزل لأخذ الحسن والحسين -رضي الله عنهما-.