الجمعة 22 شوّال 1447 هـ

تاريخ النشر : 09-03-2026

حكم الصلاة في ثوب نجس

الجواب

الحمد لله، من صَلَّى في ثَوْب مُحَرَّمٍ عليه كثوبٍ مغصوب، أو ثوبِ حرير، أو مسروق، ونحو ذلك، إذا كان يجد غيرَه وكان عالمًا ذاكرًا. فالمشهور من المذهب أن الصلاة باطلةٌ؛ لأن النهي إذا عاد إلى شرط العبادة أو المعاملة فإنه يقتضي الفساد على المذهب، وإن جهل أو نسي، أو كان لا يجد غيرَه صحت.
ولأن الصلاة قربةٌ وطاعةٌ، وقيام هذا وقعوده في هذا الثوب منهيٌّ عنه، فكيف يكون متقرِّبًا بما هو عاصٍ به؟!
لكن إذا كان الحرير في غيرِ مواضع العورة، كما لو لَبس عمامةً من حريرٍ ونحو ذلك فصلاته صحيحة.
وعند الجمهور: تَصِحُّ الصلاة؛ لحديث عقبة بن عامرٍ -رضي الله عنه- قال: «أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ، فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: لا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» رواه البخاري ومسلم.
ولأن التحريم لا يعود إلى ذات الصلاة ولا وصفِها الملازم لها، وإنما لأمرٍ خارجٍ، فالنهي عن لُبس الحرير لا يختصُّ بالصلاة، بل هو عام للصلاة وغيرها.
فالأقرب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، إذ إن جهة الطاعة مغايرٌ لجهة المعصية، فيجوز أن يُثاب من وجه، ويعاقب من آخر.
والصواب في ذلك: أنه إذا عاد إلى ذات المنهي عنه فإنه يقتضي الفساد، وإن عاد إلى أمرٍ خارجٍ فلا يقتضي الفساد.
وإن عاد إلى الشرط، شرط العبادة أو المعاملة؛ ففيه تفصيل: إن كان الشرط ملاحَظًا فيه النهيُ، أي: في ذات المعاملة أو ذات العبادة يختصُّ بها، فإنه يقتضي الفساد، وإن لم يكن ملاحظًا في ذات العبادة أو ذات المعاملة، ولا يختصُّ بها، فإنه لا يقتضي الفساد، وهنا النهي لا يختصُّ؛ لأن الشارع نهى عن الغصب والسرقة مثلًا، ولكن لم يقل -صلى الله عليه وسلم-: «لا تصلوا في ثوب مغصوب» حتى نقولَ: النهيُ ملاحظ في الصلاة، وإنما نهى الشارع نهيًا مطلقًا عن الغصب وعن السرقة، فالصواب أنه إذا صلى في ثوبٍ مغصوبٍ أو مسروقٍ أو مسبَّلٍ فإن صلاته صحيحةٌ، لكنه يأثم.
واعلم أن الحنابلة في مسألة: هل النهي يقتضي الفساد؟ أي: من جهة العمل بهذه القاعدة، هم أوسع المذاهب.
وكذلك إذا صلَّى في ثوب نجسٍ فإنه يعيد الصلاة، وهذا هو المشهور من المذهب، وظاهره: ولو جاهلًا أو ناسيًا.
ودليل ذلك: أنها عبادةٌ أتى بها على وجه منهي عنه فلم تَصِحَّ كصلاة الحائض.
وعند جمهور العلماء أن الصلاة في الثوب النجس صحيحة إذا كان جاهلًا أو ناسيًا، وهذا هو الصواب.
ويدلُّ لذلك: حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلَّى وفي نعليه أذًى، فأخبره جبريل -عليه السلام-، فخلعهما النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبنى على ما سلف من صلاته، وإسناده صحيح.
والمذهب: أن مَن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، ولم يقدرْ على غسله، فعليه أن يصلي فيه مع وجوب الإعادة عليه؛ فهو أمر بالصلاة في الثوب النجس، لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة، وأمر بالإعادة: استدراكًا للخلل الحاصل بترك الشرط الذي كان مقدورًا عليه من وجه.
وذهب كثيرٌ من الأصحاب وهو مذهب المالكية واختيار شيخ الإسلام: أنه يصلي فيه، ولا إعادة عليه؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم}[التغابن:16].
لكن عند المالكية: يستحبُّ له الإعادة في الوقت إنْ قَدَرَ على غسله، أو وجد غيرَه؛ لأنه قد أتى بما أُمِرَ به، والله تعالى لم يأمر العبد أن يصلي الفرض مرتين إلا إذا لم يفعل الواجب الذي لم يَقدِرْ عليه في المرة الأولى، ولأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة، بدليل أن إزالة النجاسة لا تجب في غير الصلاة.
وعند الشافعية: يصلي عُريانًا؛ لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض، ومع النجاسة لا يسقط؛ ولأن الثوب النجس وجوده كعدمه.
وعند أبي حنيفة: إذا كان الثوب نجسًا كُلَّه أو الطاهرُ منه أقلَّ من ربع الثوب، فالمصلي بالخيار إن شاء صلى عريانًا، وإن شاء صلى في الثوب النجس، لكن الصلاة في الثوب أفضل.
وإن كان الطاهر ربعَ الثوب فأكثر، وجبت الصلاة به، ولا إعادةَ عليه؛ قياسًا على مسح الرأس بجامع أن الربع فما فوقه في حكم الكمال، فجعل كأن الثوب كُلَّه طاهر.
والصواب: عدم الإعادة؛ لأن الله لم يأمر العبد أن يؤديَ العبادة مرتين.
ويُفرِّقون أيضًا بين مسألة الغصب والنجاسة، فإنه لا يُصلي في الثوب المغصوب، وإنما يُصلي عاريًا؛ لأن ذلك لحقِّ العبد، أمَّا الصلاة في الثوب النجس فإنه لحقِّ الله، فيلبسه ويُصلي فيه، ويُعيد الصلاة إذا تمكَّن من الثوب الطاهر، أو تمكَّن من تطهير ثوبه.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟