الحمد لله، الصُّفْرة: هي ماء كالصديد يعلوه صُفرة، والكُدرة: كلون الماء الوسخ الكدر.
والصُّفْرة والكُدرة اختلف العلماء -رحمهم الله- فيهما على ثلاثة آراء: هل هي حيض أو ليست حيضًا؟
الرأي الأول: أن الصُّفْرة والكُدرة في زمن العادة حيضٌ، وفي غير زمن العادة ليست حيضًا، وهذا هو المشهور من المذهب.
الرأي الثاني: أن الصُّفْرة والكُدرة حيضٌ مطلقًا، وبه قال مالك، وهو مذهب الشافعي.
الرأي الثالث: أن الصُّفْرة والكُدرة ليست حيضًا مطلقًا، وبه قال ابن حزم، فالحيض عنده هو الدم فقط.
ولكُلٍّ منهم دليل: فاستدلَّ ابن حزم: بحديث أُمِّ عطية -رضي الله عنها- كما في البخاري: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شيْئًا»، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا».
وأمَّا من قال: إنها حيضٌ، فقالوا: إنها من توابعه، فتأخذ أحكامه.
وأمَّا دليل الحنابلة: فمجموع الأدلة.
والأقرب في ذلك أن الصُّفْرة والكُدرة لا تخلو من أمور:
الأمر الأول: أن يكون ذلك بعد الطهر، أي: تطهر المرأة، فترى القَصَّة البيضاء، أو ترى الجفاف ونحو ذلك، ثم ترى الصُّفْرة أو الكُدرة، فنقول: هذه لا عبرةَ بها، ويدلُّ على ذلك: أولًا: قول أُمِّ عطية -رضي الله عنها- في سنن أبي داود: «كنا لا نَعدُّ الصُّفْرة والكُدرة بعد الطهر شيئًا»، وإسناده صحيح.
ثانيًا: قول عائشة -رضي الله عنها-: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ»، فدلَّ على أنهن إذا رأين القَصَّة البيضاء فلا تعتبر الكُدرة والصُّفْرة شيئًا.
ثالثًا: ما ثبت عن أسماء -رضي الله عنها- بسندٍ صحيح أنها قالت: «اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ مَا رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، حَتَّى لَا تَرَيْنَ إِلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا».
الأمر الثاني: أن تأتيَها الصُّفْرة والكُدرة قبل أن تحيضَ، فالأقرب أنها ليست حيضًا، وأن المرأة تصلي حتى ينزلَ فيها الدم.
ويدلُّ لذلك: حديث أُمِّ عطية -رضي الله عنها-: «كنا لا نَعدُّ الصُّفْرة والكُدرة بعد الطهر شيئًا»، وهذا يشمل بعد الطهر إلى أن تأتيَ العادة مرة أخرى.
الأمر الثالث: أن تكونَ الصُّفْرة والكُدرة في زمن العادة، فهذه حيض، وهذا تحته صورتان:
الصورة الأولى: أن ترى المرأة مثلًا اليوم الأول والثـاني والثـالث دمًا، والرابع والخامس صفرة، والسادس دمًا، فنقول: الصُّفْرة والكُدرة في اليوم الرابع والخامس حيضٌ.
الصورة الثانية: وهي عند كثير من النساء ترى المرأة في اليوم الأول والثاني والثالث دمًا، والرابع والخامس والسادس صُفْرة أو كُدرة، ثم تطهر، فنقول: إن الصُّفْرة والكُدرة هنا حكمها حيضٌ، فالذي يظهر من آثار الصحابة -رضي الله عنهم- مثل أثر عائشة -رضي الله عنها-: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ»، وأثر أسماء -رضي الله عنها- السابق، وأثر أُمِّ عطية -رضي الله عنها-: أن الصُّفْرة والكُدرة حيضٌ ما دامت في زمن العادة، ولأننا لو قلنا: إن الصُّفْرة والكُدرة ليست حيضًا تكون عادةَ كثير من النساء ثلاثة أيام؛ لأن كثيرًا من النساء تقول: لا أرى الدم إلا ثلاثةً أو أربعةً فقط، ثم بعد ذلك أطهر، وأرى صُفْرة أو كُدرة.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟