الحمد لله، اتخاذ السترة في الصلاة سُنَّةٌ، وليس واجبًا، فإن لم يَتَّخِذْ سترة فلا إثمَ عليه، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
وفي رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وقال بها ابن خزيمة وأبو عوانة: أن اتخاذ السترة واجبٌ.
أمَّا الذين قالوا بعدم الوجوب فاستدلوا:
أولًا: بحديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في فضاء ليس بين يديه شيء» أخرجه أحمد. وصححه الشيخ أحمد شاكر، لكنه لا يثبت عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، ففي إسناده الحجاج بن أرطاة.
ثانيًا: حديث ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في صحيح البخاري أنه قال: «أقبلت راكبًا على حمارٍ أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالناس بمنًى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ أحدٌ» رواه البخاريُّ ومسلم.
فقالوا: هذا يؤخذ منه أن السترة ليست واجبةً؛ لقوله: «إلى غير جدار»، لكن لا يلزم من نفي سترة الجدار أن يكون النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لم يضع سترةً مطلقًا، فلا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
ثالثًا: حديث أبي سعيدٍ -رضي الله عنه- في الصحيحين: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ». يؤخذ منه أنه قد يصلي إلى شيءٍ لا يستره من الناس.
وهذا مجمل ما استدل به جمهور أهل العلم -رحمهم الله-.
وأمَّا مَن قال بالوجوب: فاستدلَّ بظاهر الأمر أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالسترة كما في قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما. وهو صحيحٌ ثابتٌ عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وله شواهد. وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
والأقرب في ذلك أن يقال: إن السترة سُنَّةٌ، وليست واجبةً، وأنها من مكملات الصلاة.
ويؤيِّد ذلك:
أولًا: أن الأصل هو براءة الذمة.
ثانيًا: أنه بأي شيء استتر المصلي حصلت له السُّنَّة، مما يدلُّ على أنها من مكملات الصلاة.
ومع ذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على السترة؛ لأن مَن قال بالوجوب دليلُهم قويٌّ وظاهر.
وقد نصَّ العلماء -رحمهم الله- أنه يستحبُّ للإنسان أن يصلي إلى سترةٍ، ولو لم يخشَ مارًّا، فلو كان يصلي في صحراء، فيستحبُّ له أن يَتَّخِذَ سترة.