أولًا: بالنسبة للسؤال أنا لا أختار أن يسأل أحد بقول السائل: ما رأيك؛ لأن المجيب لا يجيب برأي يراه، وهذا هو الأصل، وإنما يجيب بما يعلمه هو من دلائل الشرع، وقواعد الشريعة، والأصول العامة التي لا يسوغ للمعلم أو المفتي، أو المجيب أن يتعداها.
الرأي قد يكون ممدوحًا، وقد يكون مذمومًا، وعامة كلام السلف -كما تعلمون- في ذم الرأي وذم أهل الرأي؛ لأن الرأي في الغالب لا يصدر عن تتبع للدليل وتتبع للقول الصحيح في المسألة، فلو يقال في مثل الأسئلة: حكم كذا؟ ما حال كذا؟ ما حكم من حج بدون تصريح؟ هل يأثم أو لا يأثم؟ ونحو ذلك، وهذا من جهة صياغة السؤال؛ أما من جهة الجواب، فمر معكم مرارًا من أجوبه المشايخ وأهل الإفتاء أن قول ولي الأمر ملزم إذا كان في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد، ولم يحرم حلالًا، أو يحل حرامًا، ولم يأمر بمعصية، فإن قوله ملزم وسيما إذا كان أمره وإلزامه بذلك كان نتيجة لفتوى.
ومعلوم أن الحج سواء أكان حج المقيم، أم حج المواطن قد صدرت فيه فتوى من هيئة كبار العلماء، وإن لم تكن في بعضها بالإجماع، لكن الفتوى معتبرة، وهو قرار من هيئة كبار العلماء ألزم به ولي الأمر، فلا يجوز حينئذ مخالفته لكن من خالف وحج، فهل حجه صحيح، أو غير صحيح؟ حجه صحيح؛ لأنه لا يبطل حجه بإثم ارتكبه، مثل: المرأة لو حجت بدون محرم، فإنها تأثم مع صحة الحج، ومما ينبغي على طلاب العلم بعامة ألّا يحتالوا على ما يفتى به أو على ما يلزم به ولي الأمر فيما له الإلزام به، وأن يستجيبوا لذلك؛ لأن هذا من المصالح المرسلة، تعلمون أن الشريعة جاءت بحفظ المصالح المرسلة، كما جاءت بحفظ المصالح المقيدة، والشريعة في أصلها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها؛ ولهذا فينبغي على المسلم أن يحتسب في طاعة ولاة الأمور وطاعة الفتوى التي صدرت من أهل العلم في ذلك، وألَّا يتحين السبل لمخالفتها؛ لأن في هذا مصالح كثيرة للمسلمين في الداخل وفي الخارج، وتعلمون قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [رواه مسلم (۱۸۳۹) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-]. [شرح الطحاوية].
[الأجوبة والبحوث والمدارسات للشيخ صالح آل الشيخ (3 /484)].
هل انتفعت بهذه الإجابة؟