السبت 18 رمضان 1447 هـ

تاريخ النشر : 25-11-2025

أحكام الجماع في نهار رمضان والكفارة المترتبة عليه

الجواب

س: ما حكم الجماع في نهار رمضان ؟
ج: الحمد لله، الجماع هو أغلظ المفطرات، ولهذا ترتبت عليه الكفارة المُغلظة.
والجماع مفطرٌ، ودلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما القرآن: فقوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فدل ذلك على أنه ممنوعٌ من وطء النساء في النهار.
وأما السُّنة: فكما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين في قصة الرَّجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان.
والإجماع: منعقدٌ على ذلك.
والمراد بالجماع: هو تغييب الحَشَفَة في الفَرْجِ.
والمقصود بالحَشَفة: هي رأس الذَّكَر التي تكون عليها القُلْفَة التي تُقطع عند الختان.
فإذا حصل ذلك بأنْ غَيَّب هذه الحشفة، فقد أفطر وفسد صومه، ووجبَت عليه الكفارة المغلظة، سواء أَنْزَلَ أو لم يُنْزِل.

س: هل يلحق في وجوب الكفارة مَن جامَع في نهار رمضان في الدُّبُر؟
ج: الحمد لله، وَطْءُ الدُّبر محرمٌ، ولا يجوز، ومع ذلك ألزمه جمهور العلماء -رحمهم الله- بالكفارة؛ لأن الدُّبر فَرْجٌ، وتغليظًا عليه وتشديدًا، وإلا فالأصل أن وطء الدبر محرمٌ، ولا يتعلق به حكم، إلا ما يتعلق به من العقوبة.
وعند الظاهرية: الحكم متعلق بالفرج؛ لأن النص ورد به.

س: هل تلزم الكفارة مَن جامع دون الفرج، فأَنْزَل؟
ج: الحمد لله، إذا جامع دون الفَرْجِ، كأن يُجامع بين الفخذين مثلًا، فلا تجب عليه الكفارة، ولا تجب إلا بإيلاج الحَشَفة في الفرج؛ لأن النص ورد في الجماع في الفرج، ومثل ذلك لو حصل سِحَاق بين امرأتين، فغير مفطر إلا مع الإنزال.

س: هل تجب الكفارة على المرأة إذا جامعها زوجها في نهار رمضان؟
ج: الحمد لله، إذا كانت المرأة معذورة بجهل، أو نسيان، أَو إكراه، فالمذهب، ومذهب الحنفيَّة: إذا أُكرهت المرأة على الجماع يفسد صومها، ولا كفارة عليها؛ لأنه جماع في الفرج فأفسد، كما لو أُكرهت بالوعيد.
القول الثاني: لا يفسد صومها، ولا كفارة، وهو الأصح عند الشافعيَّة إن كان ألجأها إلجاءً؛ قياسًا على الصائم إذا ذرعه القيء بجامع عدم الإرادة.
القول الثالث: عليها الكفارة، وترجع بها على الزوج، وهو ما عليه جمهور المالكيَّة؛ لأن الزوج غير معذور، فوجبت عليه الكفارة.
ويَخرج الرجل من ذلك، فالرجل لا يعذرونه، أي: لو أُكْرِهَ على الجماع يجب عليه أن يقضي، وعليه الكفارة، قالوا بأن الجماع لا يُتصور فيه الإكراه؛ لأنه لا يكون إلا عن انتشار، والانتشار لا يكون إلا عن إرادة واختيار، كما أنه لا يُعذر بالجهل والنسيان في الجماع.
وقولهم: إكراه الرجل على الوطء غير ممكن غير مسلَّم، فإنه إذا قَرب من المرأة حصل الانتشار.
والصحيح: أنه لا فرق بين الرجل وبين المرأة، ولا فرق أيضًا بين الجماع وبين سائر المفطرات.
فنقول: الجماع وسائر المفطرات لا بد فيها من ثلاثة شروطٍ:
الأول: الذّكْر، الثـاني: الاختيار، الثـالث: العلم بالحكم الشرعي، وكذلك العلم بالحال.
ومذهب الإمام مالك -رحمه الله- أوسع المذاهب في إيجاب الكفارة، فكل هَتْكٍ للصيام بلا عذرٍ يوجب الكفارة عند الإمام مالك.
والصواب: أن الكفارة لا تجب إلا بالجماع في نهار رمضان. وعلى هذا: لا تجب الكفارة في الجماع في قضاء رمضان، ولا صيام النذر، ولا صيام التطوع، بل يقضي الواجب مع التوبة إن كان عالمًا ذاكرًا مختارًا.

س: ما حكم صوم من وُطئت وهي نائمةٌ؟
ج: الحمد لله، من وُطئت وهي نائمةٌ: اختلف العلماء -رحمهم الله- في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يفسد صوم من وُطئت وهي نائمةٌ، وهو قول زُفَر من الحنفيَّة والشافعيَّة، وهو قولٌ مخرجٌ في مذهب أحمد، وقول ابن حزمٍ؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- في رفع المؤاخذة عن النائم. رواه أبو داود وغيره، وإسناده حسنٌ.
القول الثاني: عليها الإمساك والقضاء، ولا كفارة، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة.
وحجَّتهم: القياس على المُكره على الحَدَث، فإنه تنتقض طهارته.

س: ما الحكم إذا جماع الصائم زوجته أثناء السفر؟ وهل يجوز للرجل أن يجامع زوجته قبل خروجه للسفر؟
ج: الحمد لله، إذا سافر، وفي أثناء السفر جامع أهله، فيُفطر؛ لأن الجماع مفطِّر بإجماع العلماء؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}[البقرة: 187]، ولا تجب عليه الكفارة؛ لأن هذا الصوم لا يجب عليه أن يمضي فيه، وما ترتب على المأذون غير مضمون، وإنما يجب عليه القضاء بالإجماع، ومثله لو جامع في مرض يبيح الفطر.
وهل له أن يجامع قبل أن يسافر؟
جمهور أهل العلم قالوا: ليس له أن يترخص قبل أن يسافر.
وطائفة من السلف قالوا: له أن يترخص، واستدلوا بحديث أنس وأبي بصرة -رضي الله عنهما-، فإن أبا بصرة ركِب السفينة فلم يتجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، فقيل له في ذلك؟ فقال: "أترغب عن سنة محمد "؟! رواه أحمد أبو داود، فيه كليب بن ذهل مجهول.

س: هل تتعدد الكفارة بتعدد الجماع في رمضان؟ وما صور ذلك؟
ج: الحمد لله، إذا تكرر الجماع ممَّن يجب عليه الإمساك في نهار رمضان، فهنا عدة صور:
الصورة الأولى: أن يُجامع في يومين، ويكفِّر عن اليوم الأول.
صورة ذلك: رجلٌ جامع في يوم السبت، ثم بعد ذلك أخرج الكفارة فأعتق رقبة، ثم جامع في يوم الأحد مرةً أخرى، ففي هذه الصورة تجب عليه كفارةٌ ثانيةٌ.
وقد ذكر ابن قدامة -رحمه الله- في المغني وصاحب الشرح الكبير: أنه تجب عليه كفارةٌ ثانيةٌ بغير خلافٍ بين أهل العلم.
الصورة الثانية: أن يجامع في اليوم الأول، ثم يجامع في اليوم الثاني والثالث، قبل أن يكفِّر، أي جامَع في عدة أيامٍ قبل أن يكفِّر، كما يحصل من بعض النَّاس، فهل تتعدَّد عليه الكفارة أو لا تتعدد عليه؟
المشهور من المذهب أن الكفارة تتعدد عليه، وهذا قول أكثر أهل العلم -رحمهم الله-.
ودليلهم: أن كل يومٍ عبادةٌ مفردةٌ، فليزمه فيها كفارة.
الرأي الثاني: رأي الحنفيَّة -رحمهم الله-، وقالوا بأنه تلزمه كفارةٌ واحدةٌ، وهم نظروا إلى عموم الشهر، وأن الشهر عبادةٌ واحدةٌ فتلزمه فيه كفارةٌ واحدةٌ.
والأقرب: أن يقال في هذه المسألة: إنه يُنظر إلى حال المجامع، فقد يكون المجامع عنده شيء من الغلبة، أي غُلِب على أمره ولم يظهر من حاله أنه فرّط، ورجع وتاب، فهذا يعامَل بالأسهل كما هو مذهب الحنفيَّة، وإن كان خلاف ذلك فإنه يعامل بالأشد.
الصورة الثالثة: أن يُجَامِع في يومٍ ثم يكفِّر، ثم يجامع مرة أخرى.
أي: جامع في أول النهار ثم كفَّر "أعتق رقبة"، ثم في نصف النهار جامع مرة ثانية؛ لأن مَن أفطر بغير عذرٍ يجب عليه أن يمسك، ولا يجوز له أن يأكل، فعليه كفَّارَةٌ ثانيَة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-.
والعلة في ذلك: أنه وطءٌ محرمٌ، وقد تكرر، فتتكرر الكفارة بتكرُّره.
الرأي الثاني: لا تجب عليه إلا كفارةٌ واحدةٌ، وهو رأي أكثر أهل العلم -رحمهم الله-؛ لأن هذا اليوم عبادةٌ واحدةٌ، وهذا القول أقرب الأقوال، أو يقال: إنَّ من جامع في يوم مرتين إن ظهر من حاله أنه مغلُوب عليه ونحو ذلك فهذا لا يُلزم بكفارة ثانية، وإن ظهر من حاله التساهل والتفريط وعدم المبالاة ونحو ذلك فهذا يُلزم بكفارةٍ ثانيةٍ.
الصورة الرابعة: أن يجامع ثم يجامع في يومٍ واحدٍ قبل أن يكفِّر.
مثال ذلك: رجلٌ جامع زوجته في أول النهار ثم جامع في منتصف النهار قبل أن يكفِّر، فهل تجب عليه كفارتان أو كفارةٌ واحدةٌ؟
فقيل: عليه كفارةٌ واحدةٌ؛ كتداخل الحدود.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]

ولمعرفة المزيد من الفائدة ينظر:
استكمال مسائل الجماع المفسد للصيام .. وفق تقريرات أ.د. خالد بن علي المشيقح.


هل انتفعت بهذه الإجابة؟