الحمد لله، "إن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس" يعني: يسردها سردًا بتشهُّدين وسلامٍ واحدٍ، فلا بأس به كالمكتوبة، ولأنه أكثرُ عملًا.
وإن لم يجلس إلا في آخرهن فقد ترك الأَوْلَى على المذهب.
وفي قولٍ عند الحنابلة: لا يَصِحُّ إلا مثنى. فالتطوُّع كالظهر ينهى عنه؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ، أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ بِسَبْعٍ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» أخرجه ابن حبان والدارقطني والبيهقي. وقال الحافظ في «الفتح»: «وإسناده على شرط الشيخين». وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثِ ركَعَاتٍ، تَشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبِ» رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار. وإسناده حسنٌ.
وعند الحنفيَّة: الأفضل في الليل والنهار التربيع؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بالليل أربع ركعات، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثُمَّ يصلي أربعًا لا تسأل عن طولهن وحسنهن، وكان -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى أربعًا.
وعند أبي يوسف ومحمد: الأفضل في النهار كما قال الإمام، وفي الليل مثنى مثنى، وبقولهما يُفتى؛ اتباعًا للحديث، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» متفقٌ عليه.
وكره الزيادةَ على أربع بتسليمة في نفل النهار، وعلى ثمان ليلًا، أي: بتسليمةٍ واحدةٍ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يزد عليه.
وقال مالك: صلاة النافلة في الليل والنهار مثنى مثنى، قال الحطاب: "والتنفل بأربع الذي يظهر أنه مكروه ابتداءً".
والشافعيَّة أوسع المذاهب في هذه المسألة: فعندهم إذا شرع في تطوُّعٍ، ولم ينوِ عددًا، فله أن يُسلِّمَ من ركعةً، وله أن يُسلِّمَ من ركعتين فصاعدًا، ولو صلى عددًا لا يعلمه، ثُمَّ سلَّم، صحَّ، نصَّ عليه الشافعي، ولو نوى ركعةً، أو عددًا قليلًا أو كثيرًا، فله ذلك، ثُمَّ إذا نوى عددًا، فله أن يزيدَ، وله أن ينقصَ. فمَنْ أحرم بركعةٍ، فله جعلها عشرًا. أو بعشر، فله جعلها واحدة، بشرط تغيير النِّيَّة قبل الزيادة.
والأقرب: أنه لا بأسَ أن يصلِّيَ أربع ركعاتٍ أو أكثر ليلًا أو نهارًا بتشهُّدٍ واحدٍ وسلامٍ واحدٍ؛ لحديث أبي أيوب -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «كان يصلي قبل الظهر أربعًا، إذا زالت الشمس، لا يفصل بينهن بتسليم، وقال: إن أبواب السماء تُفتَحُ إذا زالت الشمس» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وفيه ضعفٌ، وله شواهد، وقد ثبت عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-. قال البخاريُّ: "وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمرَ -رضي الله عنهما- لا يصلي أربعًا لا يفصل بينهن إلا المكتوبة". ولِمَا ورد من سرد الوتر، والأفضل مثنى مثنى؛ لحديث ابن عمرَ -رضي الله عنهما-.