الحمد لله، المشهور من المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم -رحمهم الله-: أنَّ التأمين سُنَّةٌ للإمام والمأموم والمنفرد، لكن عند الحنفية: لا يُشرع للمأموم التأمينُ على قراءة نفسه؛ لأنه ممنوع من القراءة خلف الإمام؛ لِمَا روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفقٌ عليه، أي: إذا شرع في التأمين، ولحديث وائل بن حُجْرٍ -رضي الله عنه- قال: «سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] وقال: آمين، مدَّ بها صوته» رواه الترمذي وأبو داود. وصحَّحه الدارقطني وابن حجر. ولحديث مالك بن الحويرث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري.
وقال عطاء: «آمين دعاء، أمَّن ابن الزبير ومَن وراءه حتى إن للمسجد لَلَجَّةً»، وكان أبو هريرة ينادي الإمام: «لا تفتني بآمين» أخرجهما البخاري تعليقًا مجزومًا به.
وعن الإمام مالك في روايةٍ عنه أخذ بها كثير من أصحابه: أن التأمين سُنَّةٌ مطلقًا، إلا للإمام في الجهرية؛ لِمَا رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه البخاري ومسلمٌ.
ونوقش: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أراد به تعريفهم موضع التأمين بالنسبة لهم، وأنه عقيب قول الإمام: ولا الضالين.
وقال ابن حزم: إن التأمين فرض على المأموم، وسُنَّة للإمام والمنفرد؛ لظاهر الأمر.
والأقرب ما ذهب إليه الجمهور؛ لِمَا استدلوا به. وأمَّا قول ابن حزم بوجوبه على المأموم فغيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنه إذا لم يجب على الإمام وهو الأصل، فالمأموم وهو الفرع من باب أولى.
والمذهب وهو مذهب الشافعي في القديم وابن حزم: أنه يُسنُّ الجهر بالتأمين للإمام والمأموم والمنفرد إذا جهر بالقراءة.
وفي رواية المدنيين عن مالك: يجهر الإمام فيما يجهر فيه، ويخفيه فيما يخفي فيه، ويجهر المأموم إذا جهر الإمام، ويسِرُّ المنفرد مطلقًا.
وقال الشافعي في الجديد: يُسنُّ الجهر بالتأمين للإمام والمنفرد دون المأموم؛ لأن التأمين ذِكْرٌ مسنونٌ في الصلاة، فلا يشرع للمأموم الجهرُ به كالتكبيرات، ولكن نفى هذا النووي.
ونوقش هذا التعليل: بأنه قياسٌ في مقابل النَّصِّ.
وعند الحنفية ورواية عن مالك وهو قول المتأخرين: يُسنُّ الإسرار بالتأمين للإمام والمأموم والمنفرد؛ لِمَا روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفقٌ عليه. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الإمام يُؤمّن بعد الفاتحة، ولو كان يجهر بحيث يسمع لَمَا احتاج إلى إخباره -صلى الله عليه وسلم- بذلك.
ونوقش: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما قال ذلك تقريرًا لتأمين الإمام، ولم يُرِدْ به الإخبار عن ذلك.
وبما رواه علقمة بن وائل عن أبيه: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] فقـال: آمين، وخـفض بهـا صوتـه» رواه الطيـالسي والدارقطني. وقال: "قال شعبة: «وأخفى بها صوته»، ويُقال: إنه وَهِمَ فيه؛ لأن سفيان الثوري، ومحمد بن سلمة بن كهيل، وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوته بآمين، وهو الصواب".
ولأن التأمين دعاءٌ؛ لأن معناه: اللهم استجبْ، فيكون الإسرار به أولى من الجهر به.
ونوقش: بأنه يبطل بآخر الفاتحة، فإنه دعاء، ومع ذلك يجهر به.
والأقرب: ما ذهب إليه الجمهور؛ لِمَا ورد من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفقٌ عليه. ولو لم يجهر به لَمَا علَّق تأمين المأموم عليه.
ولِمَا روى وائل بن حُجْرٍ -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قرأ: {وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] قال: آمِين، ورفع بها صوته» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه، وصحَّحه الحافظ.
ولِمَا روى نُعيمٌ المُجْمِرُ قال: «صليتُ وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7] قال: آمين، وقال الناس: آمين... ثم قال: والذي نفسي بيده إني لَأَشْبهُكم صلاةً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
وما رواه عطاءٌ قال: "آمين دعاء، أمّن ابنُ الزبير ومن بعده حتى إن للمسجد لَلَجَّة" رواه البخاري مُعلَّقًا مجزومًا به.
وما رواه عطاءٌ قال: "أدركتُ مائتين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا المسجد، إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] سمعت لهم رَجَّةً بآمين" رواه البيهقي في الكبرى.
وقال نافع: "كان ابن عمر لا يدعه، ويحضهم، وسمعت منه في ذلك خيرًا" رواه البخاري معلقًا مجزومًا به.
والظاهر: أن السُّنَّة موافقةٌ المأموم للإمام في التأمين، وهو مذهب الشافعية والحنابلة؛ لِمَا ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفقٌ عليه، وعن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] فقولوا: آمين، فإنه مَن وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم.
وعند أحمد والنسائي: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامُ يَقُولُ: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وصحَّحه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. قال الدارقطني في العلل: «وذلك وَهَمٌ من مَعْمَرٍ، والمحفوظ: إذا أمَّن الإمام فأَمِّنوا».
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- جعل موافقة التأمين لتأمين الملائكة سببًا لمغفرة ما تقدَّم من الذنوب، فينبغي أن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دَفعةً واحدة.
ولحديث بلالٍ أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تسبقني بآمين» رواه أحمد وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي. وقد رجَّح أبو حاتم في العلل والدارقطني وغيرهما إرساله.
وعند بعض الحنابلة: السُّنَّة أن يُؤمِّنَ المأموم بعد تأمين الإمام؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» متفقٌ عليه.
وهو محمول على أن المراد إذا أراد التأمين؛ بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- في الرواية الثانية: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7] فَقُولُوا: آمِينَ» متفقٌ عليه.
والأقرب: الرأي الأول؛ لِمَا استدلوا به.
هل انتفعت بهذه الإجابة؟