الحمد لله، قال صاحب الزاد: "تحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة" أي: لا تتعدد الجمعة إلا لحاجة، ويدلُّ لذلك: فِعْلُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده، إذ لم يكن في المدينة إلا جمعةٌ واحدةٌ على عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وخلفائه الراشدين، ولَمَّا بُنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي. وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة.
وقال بعض الشافعيَّة: الجمعة لا تقام إلا في موضعٍ واحدٍ.
وعند عطاء: يُجمِّع كُلُّ أهل مسجدٍ في مسجدهم؛ فعن أبي رافع، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أنهم كتبوا إلى عمر -رضي الله عنه-، يسألونه عن الجمعة، فكتب: «جمِّعوا حيث كنتم» رواه ابن أبي شيبة. وقال ابن قدامة: "رواه الأثرم، قال أحمد: إسناده جيد"، وهو محمول على الحاجة.
والصواب: ما اتفق عليه الأئمة الأربعة -رحمهم الله-، وأنها تتعدد للحاجة.
قوله: "لحاجة" كسعة البلد، وتباعد أقطاره، أو بُعد الجامع، أو ضيقه، أو خوف فتنة؛ لأن عليًّا -رضي الله عنه- استخلف مَن يُصلي بضعفة الناس في المسجد صلاة العيد، وهو يصلي بالناس خارج الصحراء بالكوفة، ولم يكن هذا يُفعل قبل ذلك، وعليٌّ -رضي الله عنه- من الخلفاء الراشدين.
قال صاحب الزاد: "فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها" أي: إن حصل التعدد لحاجةٍ فالصلاة صحيحةٌ، وإن حصل التعدد لغير حاجةٍ فالجمعة الصحيحة هي التي باشرها الإمام، أي: صلى فيها الإمام الأعظم أو أَذِنَ فيها.
قال صاحب الزاد: "فإن استويا "في إذن أو عدمه" فالثانية باطلة" أي: لم يأذن الإمام في أي واحدةٍ من الجمعتين، أو أَذِنَ في كُلٍّ منهما ولم يباشر أي واحدةٍ من الجمعتين، فالثانية باطلةٌ؛ لأن الاستغناء حصل بالأولى، فأنيط الحكم بها، ويعتبر السبق بالإحرام على المذهب.
فالصور أربعٌ:
الصورة الأولى: أن يباشر الإمام إحدى الجمعتين، أو يأذنَ فيها دون الأخرى، فالصحيحة التي يباشرها الإمام على المذهب.
الصورة الثانية: أن يأذن في كُلٍّ منهما.
الصورة الثالثة: أن لا يأذنَ في كُلٍّ منهما.
الصورة الرابعة: أن يباشر إحداهما، ويأذنَ في الأخرى.
فالمذهب: المعتبر السبقُ بتكبيرة الإحرام، فالسابقة هي الصحيحةُ.
الرأي الثاني: وقال به بعض الأصحاب: إن صلاة مَن في المسجد الأعظم هي الصحيحة؛ قال ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: «لا جمعةَ إلا في المسجد الأكبر الذي يُصلي فيه الإمام» معرفة السنن والآثار.
الرأي الثالث: أن كِلَا الجمعتين صحيحةٌ، لكن يأثم من أَذِنَ بالتعدد لغير حاجةٍ، أمَّا بالنسبة للمأمومين فقد فعلوا ما خوطبوا به فصلاتهم صحيحةٌ، وهذا القول هو الأقرب، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-.
قال صاحب الزاد: "وإن وقعتا معا أو جهلت الأولى منهما بطلتا" الصورة التي تقدمت إذا عرفنا أن إحدى الجمعتين سبقت، فالمذهب: العبرة بالتي سبقت بتكبيرة الإحرام.
وإذا جهلنا أو لم يكن هناك سبق، فهاتان صورتان:
الصورة الأولى: إن وقعتا معًا، وهذا نادرٌ جدًّا؛ بحيث يكبِّر إمام هذه الجمعة للإحرام، ويكبِّر إمام الجمعة الأخرى للإحرام في لحظة واحدة. فقيل: بأنهما تبطلان، لكن إن أمكن أن يقيموا جمعةً صلوا جمعةً، وإن لم يمكنهم صلوا ظهرًا.
وأمَّا في الصورة الثانية: إذا سبقت إحداهما، ولا نعلم السابقة، فإنهم يصلون ظهرًا ولا يصلون جمعةً، ولو أمكنهم ذلك.
والفرق بين المسألتين: في الصورة الأولى: إذا وقعتا جميعًا نعلم قطعًا أنه ليس هنـاك جمعةٌ صحيحةٌ؛ لأن كِلَا الجمعتين وقعت في آنٍ واحـدٍ، فلا مزيـةَ لأحدهما على الأخرى.
وفي الصورة الثانية: نعلم أن إحدى الجمعتين صحيحةٌ، وهي التي سبقت بالإحرام لكن جهلناها، فيصلون ظهرًا، ولا يصلون جمعةً، ولو أمكنهم؛ لأن إقامة الجمعة قد حصلت، لكن جهلنا السابقة.
وهذا التفريع كُلُّه على عدم صحة الجمعة مع التعدد، لكن إذا أخذنا بالرأي الثالث، وأن الجمعة صحيحةٌ مع التعدد لغير حاجة، ويأثم من أَذِنَ بالتعدد، فلا حاجةَ لهذه الصور كُلِّها.