الجمعة 22 شوّال 1447 هـ

تاريخ النشر : 13-03-2026

حكم إسبال الثياب

الجواب

الحمد لله، إسبال الثياب لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون خيلاءَ، فهذا مُحرَّمٌ على المذهب، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه، بل هو من كبائر الذنوب؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري ومسلمٌ.
الثاني: أن يكون غيرَ خيلاءَ، فلا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: ألا يوجدَ قصد الإسبال، وإنما يسترخي الثوب وما في حكمه عَرضًا من غير قصدٍ، فيتجاوز الحدَّ المقرَّر له شرعًا لسببٍ من الأسباب، كفزعٍ وعجلةٍ ونسيانٍ ونحو ذلك، فهذا لا بأس به؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاءَ» رواه البخاري.
ففي هذا الحديث أقرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر -رضي الله عنه- على ما قد يحصل منه من استرخاء إزاره من غيرِ قصدٍ عند عدم تعاهده.
الحالة الثانية: أن يقصد الإسبال: فالمذهب وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية: أنه مكروهٌ.
واستدلوا:
أولًا: بحمل النصوص التي فيها النهي عن الإسبال مطلقًا على النصوص المقيدة لذلك بحال الخيلاءِ.
ونوقش: بأن من شرط صحة حمل المطلق على المقيد اتّحادَهما في الحكم، كما هو مقرَّرٌ عند الأصوليين، وهو غيرُ متحقِّقٍ في هذه المسألة؛ لأن العقوبتين قد اختلفا، فإن عقوبة مَن أسبل ثوبه خيلاء: أن الله تعالى لا ينظر إليه يوم القيامة، وعقوبة مَن أسبل ثوبه لغير الخيلاء: أن ما أسفل من الكعبين ففي النار.
ثانيًا: بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاءَ». ففيه دليلٌ على أن مَن أسبل ثوبه لغير الخيلاءِ فلا يدخل في النهي عن الإسبال.
ونوقش: بأنه لم يُرْخِ ثوبه اختيارًا منه، بل كان ذلك يسترخي، ومع ذلك فهو يتعاهده، وبأن أبا بكر زكَّاه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وشهد له أنه ليس ممن يصنع ذلك خيلاءَ.
ثالثًا: ورد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في ذلك، فقال: «إني رجل حمش الساقين» رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: "إسناد جيدٌ".
ونوقش: بأنه محمول على أنه أسبلَه زيادةً على المستحبِّ، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ويدلُّ لذلك: أنه لَمَّا قيل له في ذلك قال: إني رجل حمش الساقين، وهذا يدلُّ على أنه إنما أسبل لتغطية ساقيه الدقيقتين.
وعند الظاهرية وهو روايةٌ عن أحمد: أنه محرم؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ» رواه البخاري.
وحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ» رواه أبو داود وابن ماجه، وإسناده صحيح.
وحديث جابر بن سُليمٍ -رضي الله عنه- مرفوعًا: «وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّـاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّـهَا مِنَ المَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ» رواه أحمد وأبو داود، ولأن الإسبال مظنةٌ للخيلاء وذريعةٌ إليها، وقد جاءت الشريعة بسدِّ ذرائع المحرمات، ولأن الإسبال ولو كان بغير قصد الخيلاءِ فيه إسرافٌ، والإسراف مُحرَّمٌ.

المصدر:

[شرح زاد المستقنع - أ.د خالد بن علي المشيقح]


هل انتفعت بهذه الإجابة؟