الحمد لله، تسوية الصف أنواع:
النوع الأول: تسوية المحـاذاة، والمحـاذاة تكون بالمناكب والأكعب، والمنكب: مجتمع رأس العضد والكتف، والكعب: المَفصِل بين الساق والقدم.
وجمهور الفقهاء: على أن تسوية الصف سُنَّةٌ؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاةِ» رواه البخاري ومسلم.
الرأي الثاني: أن تسوية الصفِّ واجبةٌ، وبه قال البخاري وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية، ويدلُّ لذلك أدلة، منها:
أولًا: حـديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قـال: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهِ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». ولا شكَّ أن في هذا تهديدًا.
ثانيًا: حديث أنسٍ -رضي الله عنه- في الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم-: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ»، وفي رواية للبخاري: «مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ».
ثالثًا: ما روى أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه» رواه البخاري. وهذا تحقيقٌ للمساواة.
رابعًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتخلل الصفوف، ويمسح المناكب، أي: مناكب الصحابة -رضي الله عنهم-.
ويُسنُّ للإمام أن يمسح على مناكب المأمومين عند تسوية الصفوف لتحقيق المساواة؛ لِمَا في صحيح مسلم: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: اسْتَوُوا».
خامسًا: وصحَّ عن عمرَ -رضي الله عنه-: «أنه كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاؤوا فأخبروه أن قد استوت كبَّر» رواه مالكٌ في «الموطأ» وعبد الرزاق.
سادسًا: وكان عثمانُ يفعل -رضي الله عنه- قريبًا من ذلك. رواه عبد الرزاق.
واتفقت أقوال الفقهاء على أن الصلاة صحيحةٌ مع ترك التسوية، إلا ابن حزمٍ فيرى البطلان، فالتسوية: محاذاة المناكب والأكعب دون أطراف الأصابع؛ لِمَا روى أنسٌ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه» رواه البخاري.
وعن النعمان بن بشيرٍ -رضي الله عنهما- قال: «رأيت الرجـل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه» أخرجه البخاري مُعلَّقًا بصيغة الجزم.
والمراد بالحديث كما قال الحافظ في «الفتح»: "المبالغة في تعديل الصفِّ، وسدِّ خلله"؛ بدليل: أن إلزاقَ الركبة بالركبة حالَ القيام مُتعذِّرٌ، فيكون هذا في ابتداء الصلاة.
النوع الثاني: أن يقول الإمام: "سوُّوا صفوفكم" كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أقيموا صفوفكم»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي. والحَذَفُ: غنمٌ سودٌ صغارٌ، واحدتها حَذَفَةٌ.
النوع الثالث: أن يُكمِّلَ الصفَّ الأوَّل فالأوَّل، ولا يُبدأ بصفٍّ حتى يكتمل الذي قبله.
ودليل ذلك: حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال: «خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قلنا: وكيف تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ».
النوع الرابع: رصُّ الصفوف، ويدلُّ ذلك: حديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا». وفي حديث جابر -رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال: «خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قلنا: وكيف تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ».
وأيضًا: عدم رصِّ الصفِّ سبب لدخول الشيطان في خَلل الصفِّ والتشويش على المصلين.
النوع الخامس: أن يمينَ الإمام أفضلُ من يساره؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» رواه أبو داود.
وهذا له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون الأيمنُ أقربَ إلى الإمام، فالأيمن أفضل؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- السابق.
الحالة الثانية: أن يكون الأيسرُ أقربَ إلى الإمام من الأيمن، فالأيسر في هذه الحالة أفضل.
الحالة الثالثة: أن يتساوى الطرفان، أو يكون الأيسرُ أقربَ من الأيمن بشيءٍ يسيٍر، فالأفضل الأيمن.
النوع السـادس: تقارب الصفوف فيما بينها، فلا يكون بين الصفِّ الأوَّل وبين الإمام إلا مقـدار السجود، ولا يكون بين الصفِّ الأوَّل والثـاني إلا مقدار السجود؛ لحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» أخرجه مسلم.
النوع السابع: أن يُقدَّم الرجالُ البالغون العقلاء وراء الإمام، ثم الصبيان، ثم النساء.
ويدلُّ لذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي مسعود -رضي الله عنه- في صحيح مسلمٍ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».